تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن حياة المسلمين قد تبدلت تبدلا كبيرا بعد إذ أصبحوا سادة الأرض والمشرفين على خيراتها ومواردها فتعقدت شؤونهم واستسلم بعضهم للترف وأكثر من اللهو والمجون وانصرف بعضهم عن الزواج واكتفى بالإماء واختلطوا بالشعوب الأخرى اختلاطا شديدا.

نستدل على ذلك بما راج في كتب الأدب من الأقوال التي تشيد بقيمة الإماء وتنوه بفضلهن على الحرائر: «من أراد قلة المؤونة، وخفة النفقة وحسن الخدمة وارتفاع الحشمة فعليه بالإماء دون الحرائر»، وكذلك «عجبت لمن استمتع بالسراري كيف يتزوج بالحرائر». ويروى عن مسلمة بن عبد الملك أنه قال: «إني لا عجب من ثلاثة: من رجل قصر شعره ثم عاد فأطاله أو شمر ثوبه ثم عاد فأسلبه أو تمتع بالسراري ثم عاد إلى المهيرات».

وازداد الأمر تفاقما في دولة بني العباس. ولقد غالي هارون الرشيد في إيثار الجواري وتقريبهن، وكان معظم أولاده أبناء إماء وأكثر الخلفاء العباسيين أمهاتهم أمهات ولد.

وإيثار الإماء والسراري وتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية رافقهما عزوف عن النسل، ونشأت دعوات متشائمة تحذر من النسل وترغب عنه.

يقول الشاعر المولى أبو العتاهية:

لدوا للموق وابنوا للخراب

فكلكم يصير إلى ذهاب

وينوه الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري بتحاميه الزواج وبسلامته من عدواه:

تواصل حبل النسل من عهد آدم

إلي فلم توصل بلامي باء

ويذهب إلى أبعد من ذلك فيعد النسل جناية يجنيها الوالد على الولد في بيته المشهور:

هذا جناة أبي علي

وما جنيت على أحد (*)

وينصح للذين لا يطيقون تحامي الزواج أن يؤثروا العقيمات من النساء:

إذا شئت يوما وصلة بقرينة

فخير نساء العالمين عقيمها

إلى غير ذلك من أشعار أخرى كثيرة.

ولا شك أن تلك الدعوات المتشائمة صدى من أصداء تعقد الحياة الاجتماعية وصعوبة الكسب ومشكلات التربية.

ويشف عن ذلك أيضا قول ابن الجوزي الذي ولد في القرن السادس الهجري بعد وفاة الغزالي بثلاث سنين وذلك في كتابه «صيد الخاطر»: «وإن تزوج جاء الأولاد فمنعوه اللذة وانكسر في نفسه وافتقر إلى الكسب عليهم (*). وكذلك قوله: «والابن إن مرض ذاب الفؤاد وإن خرج عن حد الصلاح زاد الأسف وإن كان عدوا فمراده هلاك الأب ثم إن تم المراد فذكر فراقه يذيب القلوب (*)».

ويلوح أن ضبط النسل قد بدأ في بغداد قبل البلاد العربية الأخرى يدل على ذلك هذه النادرة التي نجدها في (يتيمة الدهر) بين أخبار أبي بكر الموسوس المعروف بسيبويه وذلك في القرن الرابع الهجري. فقد قال يوما للمصريين: «يا أهل مصر! أصحابنا البغداديون أحزم منكم لا يقولون باتخاذ الولد حتى يقتنوا له العقد والعدد فهم أبدا يكنزون ولا يقولون بإظهار الغنى في موضع عرفوا فيه بالفقر فهم أبدا يسافرون».

فلا غرو إذا أصبح تحامي النسل قضية ينتبه لها المفكرون ويعالجونها ويبينون شرائط جوازها.

ولقد كان الباحثون يمسون ذلك بوجه عام أو يشيرون إلى فوائد الزواج وآفاته ويوضحون الأسباب التي تحمل على إيثار العزبة. فأبو طالب المكي مثلا في كتابه المشهور «قوت القلوب» وهو الكتاب الذي كثيرا ما يعتمد عليه أبو حامد الغزالي في كتابه «الإحياء» وينقل أخبارا وأحاديث وفقرات منه يظهر مزايا الزواج ومزايا العزبة دون أن يتناول قضية ضبط النسل.

هذا ربما غدت حاجة ضبط النسل ماسة في عصر الغزالي وغذا بحثها شائعا ولا سيما من جهة تكاليف تربية الأولاد ونفقات العيال وتعذر طرق الكسب. وفي كتب الغزالي إشارات متفرقة إلى قضايا الكسب وشؤون التربية.

*) الرواية المشهورة جناه وكلتاهما صحيح.

*) طبع الخانجي ص 177.

*) ص 397.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧١١