دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 7
موقف الغزالي من تحديد النسل
بقلم: الدكتور عبد الكريم اليافي
توزعت عصر الغزالي مشكلات سياسية واجتماعية وفكرية مشتبكة كثيرة نجد أصداءها في كتبه يعالجها متجمعة أو متفرقة كما تتجمع أو تنتشر الأزاهير بألوانها المختلفة في الحقول الواسعة.
وغاية بحثنا هذا أن نبين موقفه تجاه مشكلة ديمغرافية خاصة هي قضية النسل وإباحة ضبطه في بعض الأحوال رغبة في علاج جانب من مسألة أصبحت في العصر الحاضر من مسائل علم السكان الكبيرة مقتبسين تفهم هذا العلاج من تاريخ ثقافتنا العربية التليدة الواسعة.
ولأجل هذا نشير في البداية بخطوط سريعة إلى جوانب من الحركة الديمغرافية للشعب العربي في صدر الإسلام ثم تظهر آراء الغزالي في الذرية مجيئها أو تحاميها معتمدين خاصة على ما جاء في كتابه المشهور «إحياء علوم الدين».
لقد مر العرب في بداية حضارتهم الإسلامية بمرحلة كانوا فيها كثيري النسل والأولاد. وفي تاريخ الأدب العربي إشارات متعددة إلى ذلك أوردناها في كتابنا «في علم السكان» (*).
وقد انتبه القدماء إلى أهمية النسل من الوجهة القومية وكافأ الحكام كثرة الأولاد. ولعل من أطرف الروايات التي تشف عن ذلك ما جاء في كتاب الأغاني في أخبار الشاعر الراجز أبي النجم. قيل: «كان عند عبد الملك بن مروان، ويقال عند سليمان بن عبد الملك يوما وعنده جماعة من الشعراء وكان أبو النجم فيهم والفرزدق وجارية واقفة على رأس عبد الملك أو سليمان تذب عنه، فقال: من صبحني بقصيدة يفتخر بها وصدق في فخره فله هذه الجارية. فقاموا على ذلك، ثم قالوا: إن أبا النجم يغلبنا بمقطعاته يعنون الرجز. قال: فإني لا أقول إلا قصيدة فقال من ليلته قصيدته التي فخر فيها وهي:
علق الهوى بحبائل الشعثاء ....
ثم أصبح ودخل عليه ومعه الشعراء فأنشده
حتى بلغ إلى قوله:
منا الذي ربع الجيوش لظهره
عشرون وهو يعد في الأحياء
فقال عبد الملك: قف إن كنت صادقا في هذا البيت فلا نريد ما وراءه،
فقال الفرزدق: وأنا أعرف منه ستة عشر ومن ولد ولده أربعة كلهم قد ربع. فقال عبد الملك أو سليمان ولد ولده هم ولده، أدفع إليه الجارية يا غلام فغلبهم يومئذ (*)».
*) طبعة 1959 من صفحة 32 إلى 38 ومن 37 إلى 51.
*) مطبعة التقدم ج 9 ص 75.