فهكذا إن ارتقاء الحضارة الإنسانية أثناء التاريخ إنما يظهر بصورة خط منحن يلتقي مع الخط المستقيم ويقطعه مرة بعد مرة على حسب ما هو ظاهر بالرسم الآتي:
أ ب
ففي هذا الرسم الخط أ ب هو الطريق الفطري للحياة الإنسانية، الذي يعبر عنه القرآن بكلمات الصراط المستقيم والرشد والهدى وسواء السبيل وسبيل الرب وما إليها. لقد كانت الإنسانية على فطرتها في بدء الأمر (كان الناس أمة واحدة) ثم ظهرت في الناس ميول إلى تعدي حدودهم المشروعة فهذه الميول ما زالت تحيد بالإنسان بعيدا عن الصراط المستقيم الفطري مرة بعد أخرى، ولكن في مرة نرى أن مرارة التجارب وقلق الفطرة الإنسانية ما زالا يجبرانه على الرجوع إلى طريق الفطرة ولكن الإنسان ما كان يرجع إلى طريق الفطرة إلا ليبتعد عنه مرة أخرى إلى الجهة المعاكسة للجهة الأولى ثم يجد نفسه مرة أخرى مضطرا إلى الرجوع إلى طريق الفطرة.
فالذي يعبر عنه هيجل بالدعوى وجوابها، هي الميول المتطرفة التي تجر الإنسان إلى هذا الجانب من الخط المستقيم مرة وإلى الجانب المعاكس له مرة أخرى وأن الذي يعبر عنه بالتركيب والمزج، إنما هو النقط التي يلتقي عليها الخط المنحني مع الخط المستقيم ويقطعه.
إن هيجل وماركس وجدا في التاريخ هذا الخط المستقيم، ولكنهما ما استطاعا أن ينظرا ذلك الخط المستقيم الذي هو مرسوم من الأزل إلى الأبد والذي تتقاضاه فطرة الإنسان من داخله، وأن وجوده في داخل هذه الطرق المعوجة حقيقة يشهد بها قلب كل إنسان متفكر وهو مفطور على القلق للبحث عنه.
والأنبياء عليهم السلام أولئك الذين كانوا يعرفون هذا الصراط المستقيم، فقد دعوا الناس، إلى هذا الصراط الوسط وأقاموا عليه المدنية الإنسانية فعلا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
باكستان: أبو الأعلى المودودي