الذين جعلوا حيوانيتهم تابعة لإنسانيتهم وأثروا بشخصيتهم القوية في أغلبية ساحقة من أفراد البشر المتصفين بالصفات الحيوانية فأدخلوا في حياتهم مبادئ دائمة للحضارة والتهذيب والشرف والأخلاق والروحانية والعدل والإنصاف.
ولو أن هيجل وماركس قرآ القرآن، لما لقيا في فهم حقيقة الإنسان وإدراك القانون الأساسي لارتقاء المدنية الإنسانية من الفشل والحيرة مثل ما لقيا بظنهما وتخمينهما، لأن علم الإنسان وفلسفة التاريخ الموجودين في القرآن يحلان بأحسن طريق وأقومه جميع تلك المسائل والمشاكل التي قد ارتبكا فيها مع أمثالهما من مفكري الغرب وفلاسفته.
وبموجب بيان القرآن ليس الإنسان بمجرد عبارة عن الوجود الحيواني الذي هو محل الجوع والشهوة والطمع والخوف والغضب وما إليها، وإنما هو عبارة عن ذلك الوجود المعنوي الذي يعيش في داخل الغلاف الحيواني وهو محل الأحكام الأخلاقية وما هو ـ كالحيوانات الأخرى ـ مجرد عبد للجبلة، وإنما أوتي قوى مختلفة من العقل والتمييز واكتساب العلم والرأي والفكر، وهكذا أوتي الاستقلال إلى حد ما. إن الطبيعة لا تسيره كالحيوانات الأخرى على طريق معين ولا تتكفل له بجميع حاجاته بنفسها، وإنما قد أعطاه الله قوة السعي والجهد وتركه في الدنيا بحيث لا ينال كل ما ينال إلا بسعيه ولا يختار الجهة أو الطريق لبذل سعيه وجهده إلا على مشيئته فيتقدم على طريقه المختار إلى حيث يستطيع. فالروح الحاملة لهذا الاستقلال، الحائزة لقوة السعي والجهد، هي المختارة لجهة هذا السعي والجهد على مشيئتها وإرادتها، هي الإنسان في نظر القرآن.
أما الحيوان الخارجي، فإنما أعطي الإنسان الداخلي ليستعده ويستذله لخدمته. وهذا الخادم إنما هو جاهل ليس عنده إلا الأهواء، وشهوات النفس ومطالب الجسد وما نصب عينه إلا أن يحصل على رغباته ويحقق حاجاته، فهو بدلا من أن يخدم الإنسان الداخلي، يريد أن يطغى عليه ويستخدمه ويكرهه على أن يكون مجرد آلة لتحقيق مطالبه ورغباته الحيوانية ويجعل فكره إلى تحت بدلا من أن يرتفع إلى فوق، ويجعله ضيق النظر ويبذل السعي ليجعله بعبد المحسوسات ويربي في نفسه العصبيات الجاهلية.
وعلى العكس من هذا فإن الإنسان الداخلي تستدعيه فطرته أن يسخر لنفسه الحيوان الخارجي، وقد ألهمه الله علم الفجور والتقوى وأعطاه الكفاءة للتمييز بين طرق الخير والشر (وهديناه النجدين) وجعل فيه حسا خلقيا يستدعيه من الداخل أن لا يحقق حتى حاجاته الحيوانية إلا بطريق يناسب إنسانيته لا كما تحققها الحيوانات ولذا فإنه بنفسه يستحيي أن يميل إلى الطرق الحيوانية ويترفع بنفسه عن المقاصد الحيوانية ويريد دائما أن يكون وجودا من الدرجة العليا، ويوجد ـ بسائق وجدانه ـ الطلب لأن تكون حياته لغاية عليا ومقصد إنساني كبير.
وعلى هذا ليست الحياة الإنسانية من أولها إلى آخرها إلا ساحة للحرب القائمة بين الإنسان الداخلي والحيوان الخارجي، فالحيوان الخارجي يجر الإنسان الداخلي إلى الأسفل وبعد أن يجعله تابعا لنفسه يشق لسلوكه طرقا معوجة فيها الظلم والعدوان والفحشاء والمنكر والإثم والبغي واتباع شهوات النفس ولذائذها والإخلال بالروابط الإنسانية. أما الإنسان الداخلي فلا يرضى لنفسه بهذا اللون من الذل فيخرج على الحيوان الخارجي إلا أنه أثناء محاولته لتسخير الحيوان الخارجي واستذلاله قد يميل إلى طرق معوجة أخرى فيها الرهبانية والرغبة عن الدنيا واضطهاد النفس والانحراف عن الحاجات الفطرية والفرار عن تبعات الحياة الاجتماعية، فهناك يتمرد عليه الحيوان الخارجي مرة أخرى ويجره إلى طرقه المعوجة.
فهاتان القوتان للإفراط والتفريط تثور كل واحدة منهما على الأخرى مرة بعد أخرى وبتأثير كل واحدة منهما في الأخرى ينشأ في الدنيا من النظريات والمبادئ والناهج العملية ما يحوز في نفسه عناصر للحق وعناصر للباطل، والإنسان يجرب هذه المبادئ والنظريات والمناهج العملية إلى مدة من الزمان وأخيرا فإن فطرته الحقيقية التي تحن دائما إلى الصراط المستقيم، ترغب عن الطرق المعوجة وتبدي عليها سخطها تنبذ ما فيها من العناصر الباطلة حتى لا يبقى منها في الحياة الإنسانية إلا الحق والصدق، (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، ولكن ما أن تفشل مجموعة للإفراط والتفريط حتى تأتي إلى الميدان مجموعة أخرى وتستعر الحرب مرة أخرى بين الإفراط والتفريط ـ كما هما في هذه المجموعة الجديدة ـ إلى مدة من