تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 29

الفولكلور

للأستاذ: عباس الجراري

كنت أود، حين فكرت في موضوع هذا الحديث، أن أتناوله مباشرة في الصميم من غير احتياج إلى تقديم أو شبهه، لولا شيوع المصطلح الذي نحن بصدده وتبلبل معناه في أذهان العامة من الناس وربما خاصتهم، ولولا كذلك أني أحب السير في الطرق المستقيمة الواضحة التي لا منعطف فيها ولا غبار. فمعذرة للذين يضيقون بالتفسيرات حتى حين تخرج عن نطاق المعاجم والقواميس.

وأول ما أقول أن الفولكلور Folklore كلمة إنجليزية ترجع في تاريخها إلى أصل جرماني قديم، وهي مركبة من جزئين: فولك Folk ومعناه الشعب أو الجماعة من الناس، ولور Lore ومعناه العلم أو الحكمة. وإذا كان العالم الإنجليزي وليم جيمس تومس William James Thoms هو أول من استعمل هذه اللفظة بمعنى الثقافة المتواترة بين أفراد الشعب وأطلقها اصطلاحا على أحد فروع علم الأجناس أو ما يسمى بالأثنولوجيا، فقد سبقه إلى الاهتمام بمدلولها الفني كثير من الهواة الذين جمعوا بحافز حب الوطن آثار بلادهم الشعبية، أمثال مكفرسون الإنجليزي (1738 ـ 1796) Maepherson، وهردر الألماني (1744 ـ 1803) Herder وتيير (1797 ـ 1877) Thiers وبيرو (1628 ـ 1703) Perrault الفرنسيين، والأخوين الألمانيين جاك (1785 ـ 1863) وغليوم (1786 ـ 1863) جريم Grimme اللذين كان لهما فضل كبير على أصحاب هذا الفن.

وقد ظهرت للفولكلور في كثير من البلاد الأروبية تسميات مختلفة للدلالة عليه، ففي فرنسا وإيطاليا عرف بالتقاليد الشعبية Tradition populaire والأدب الشعبي Littérature Populaire، وفي ألمانيا أطلقوا عليه الفولكسكندي Volkskunde، بل وجد في إيطاليا عالم هو جيوزبي بيتري Giuseppi Pitrè سماه ديموسوكولوجيا Demosocologia أي علم نفسية الشعب، وهذا ما يفسر لنا اتجاه علماء الفولكلور إلى علم النفس وبعض الفلسفات بحاولون تفسير مادته. ومع ذلك فقد وافقت معظم دول العالم بما فيها البلاد المذكورة على استعمال كلمة فولكلور، وبقيت البلاد العربية والشرقية عامة في أخذ ورد يختلف كتابها حول استعمال هذا المصطلح أو ذاك. فمنهم من ينقل كلمة فولكلور بلفظها ومنهم من يعربها حتى لا تناكر الوزن العربي وصيغته، ومنهم من يترجمها بالتراث الشعبي أو الفنون الشعبية أو الأدب الشعبي أو المأثورات الشعبية وهي الترجمة التي أقرها المجمع اللغوي في القاهرة. وكانت آخر هذه المناقشات ما كتبه الأستاذ العقاد (1) الذي يقترح استعمال «المرددات الشعبية» وبفضلها على نقل كلمة الفولكلور بلفظها، وحجته أن الفولكلور بطبيعته شيء يتصل بملامح الأمة وخصائصها ويدل على الخلائق والعادات التي تميزها من غيرها، فلا يصح أن تطلق عليه كلمة مستعارة من لغة أجنبية وأنه لا معنى لهذه الاستعارة مع إمكان الترجمة وإمكان الاستغناء بها عن النقل أو التعريب. ويرى أنها أصلح من كلمة «التراث الشعبي» لأن التراث يطلق على الآثار المحفوظة من الأدب والحكمة، وليس هذا هو المقصود بأدب الفولكلور عند الغربيين، فإنه قد يكون متداولا في الوقت الحاضر، ولا يشترط أن

1) مجلة «الشهر» العدد 9 شهر نوفمير 1958.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٦٢