تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان من العسير عليهم أن يوفقوا بين تقاليد وأوضاع البلاد التي استظلت بلواء الإسلام ـ وخاصة بعد ما تلاحقت الفتوحات الإسلامية ـ وبين النظم الإسلامية لولا ارتفاع هذا الحجر الفكري، وقدرتهم على التصرفات الدقيقة بعقول واعية بوحي من أهداف الإسلام الكبرى ـ الذي مهد السبيل لضروب الالتقاء في ميادين واسعة، ومهد للناس أيضا الاجتماع على كلمة سواء لا فروق فيها ولا طبقات ولا رسوم ولا أقاليم.

كان ربح المسلمين من ذلك عظيما، وكسبهم كان كبيرا مد لهم في سياسة الشعوب ذات التقاليد والأوضاع المختلفة، وعصم الحياة الاجتماعية ـ بصفة عامة من التدهور والفراغ والتخلي، فأبقى على الروح الإسلامية سلطانها وأثرها في النفوس وأثرها في الحياة، وأبقى عليها أيضا أصالتها في الاضطلاع في التوفيق بين ظروف وقطاعات ومفاهيم وأذواق مختلفة.

وإن يكن الإسلام يعتمد في إقناع الناس بصواب منهجه وبعموم معروفه ونفعه على مبادئه وتعاليمه، فإنه يعتمد كذلك ـ بالقصد الأول ـ على حسن فهم هذه المبادئ وعلى حسن عرضها ودقة تطبيقها على صور الحياة القائمة وعلى العقل البشري المتجرد الذي لا تختفي عنه حريته وإرادته.

ويجب الاعتبار بأن كل ما حدث في العالم الإسلامي من فجوات، وما لحقه من نكبات كانت نتيجة لتحوله عن هذه الفكرة، وجفافه عن الاستجابة النابعة من التشريع الإسلامي لمطالب الحياة، وقد كان هذا وحده كافيا في أن يجر وراءه ظلالا كثيفة من الريبة واللبس والعقد المستعصية في حياة المسلمين، فيها تخلف مستوياتهم وفيها ـ بالتالي ـ عكس لمعطيات هذا الدين وتحريف لوثائقه ومقرراته عن مناهجه الواضحة في تحرير البشرية أفرادا وجماعات من التسلط والاستغلال.

إن في فساد الذهنية كل الآثار السيئة التي تهدم كيان الفرد والمجتمع، وتخدم ألوان التخلف والتفاهة وتسيء إلى ارتباط المسلمين بدينهم وبمجتمعهم وبالناس جميعا، وتغذي تلك المفارقات الإسلامية وملاحقة أعداء النهوض الإسلامي.

والإسلام الذي كان جهادا من أول يوم ـ ضد النفس المسترخية وضد الأوهام وضد الأثرة والاحتكار كان أيضا جهادا ضد الاجترار الفكري وضد التبعية المفروضة.

ويجب التذكير بأن الدعوة لتحكيم الرأي وتقديس الاجتهاد وتسويده على النقل والمتابعة ليس أمرا جديدا في الإسلام ولا أمرا اقتضته الأحوال أثناء اصطدامه في سيره بعقبات، ويكاد يكون الإسلام ـ كما قال الفيلسوف الفرنسي «كيزو»: (منفردا بين الأديان بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون، وتبكيت الذين يتخبطون في ظلام العماية، هذا الدين يطالب المتدينين بأن يأخذوا بالبرهان من أصول دينهم، وبأن السعادة من نتائج العقل والبصيرة، وبأن الشقاء من لواحق الغفلة وانطفاء نور البصيرة). وجدير بنا أن نعرف الحدود التي تخطاها الفكر الإسلامي أيام روعته ـ لنستطيع أن نجد التفسيرات الواضحة لسخافة المسلمين وتأخرهم إلى المصاف الخلفية زمن انتكاسهم وذلتهم، ولنجعل من وحدة الشعور الإنساني ووحدة أهداف الحياة الإنسانية العليا مادة واحدة على طريقة اعتبار الإنسانية شخصا واحدا من ناحية المعرفة ـ على نظرية «باسكال» وإضرابه.

وعلى كل حال كانت نظرة الإسلام إلى الالتجاء إلى البرهان، والتقوى بالاجتهاد، والأخذ بالدليل نظرة بعيدة المدى يخلق منها تكاملا عضويا ومدا قويا ووقاية طبيعية ضد قوى التخلف والرخاوة والانحلال.

لذلك كان أول ما يسند بأبطال الإصلاح الإسلامي ـ في كل زمن ـ بعد ما أحسوا إحساسا متزايدا بالحاجة إلى تلافي انحدار الذهنية الإسلامية ورفع مستواها وتلقيحا بلقاح قوي من المرونة والاستقلال في الفهم وفي التصرف المسارعة إلى مكافحة هذا الفساد ومحو أوزاره، وتتبع آثاره، ولهم ما يبرز موقفهم في هذا، فقد رأوا كيف انتهى الحال بالحرص على فساد العقلية الإسلامية تحت تأثير الدس والإيقاع والتحديات الزمنية، وترويج الشكوك والمفتريات إلى خلق مستويات فكرية ضحلة هي أتفه من التافه.

فقد تمثل لك فكرة الجبرية، والقضاء والقدر، والكسب والتوكل بمفاهيمها العكسية المقلوبة، وشطحات الصوفية ومواجيدهم، ونشاط الباطنية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٥١