تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 17

أثر الاجتهاد في استمرار الحضارة الإسلامية

للأستاذ: محمد العيساوي

إذا كان دين الإسلام قد خطا بالناس خطوات واسعة في سبيل تحقيق حياة اجتماعية، وفي سبيل تثبيت دعائم الأخوة الإنسانية، وفي اطراد نمو هذه الحياة واستقرارها عن طريق صلتها بالدين وعن طريق إلهاماته إلهاب شعور الناس وتفاعلهم معه، فإنه لم يكن ليستقر ذلك في أعماق الناس، ويبلغ منهم مرتبة الإيمان، ويسكن في مساكنه من سريرتهم وتشوقاتهم ـ إلا عن طريق تحرر الفكرة الإنسانية، وخصوبة مقاييسها الصحيحة التي تتلاءم مع الدين ومع العلم ومع الامتدادات الحضارية الأخرى، وتجتمع معها في صعيد واحد.

ولئن اعترضت المواكب البشرية الرائعة ـ في طريقها إلى الخير العام وفي اتجاهها إلى سلام دائم ـ ضروب من التقلبات، وألوان من المفاجئات بكثير من المخاطر والصراعات المتصلة الضرام، فإن لها أداة قوية ذاتية نابعة من نفسها تتمثل في (التفكير الحر) الذي كافحت به الطبيعة وسخرته لفائدة المجموعة البشرية، ومحت به أوزار الأوضاع، ونسقت به جهود المجتمع.

تلك حقيقة لا جدال فيها مهما كانت الأخطاء التي ارتكبتها الحضارة ومهما بلغت تصرفاتها من عنف وقسوة، ومهما كانت الوسائل التي استخدمتها للسيطرة على الشعوب والتسلط عليها.

والفكرة الإسلامية هي ـ في جوهرها وفي عرضها ـ فكرة إنسانية متحررة من قيود الزمان والمكان تملك من وسائل الوصل بين مطالب الحياة ومفاهيم الإنسانية المنحذرة عن البيئات والأوضاع المختلفة، في ظل الاتزان والشمول، وفي ظل التوفيق والتصفية بين متناقضات الحياة، ما قطعت به أشواطا في سبيل ازدهار الحياة الإنسانية، وفوق هذا فيها العروض السخية لتوفير راحة الناس وتحريرهم من الأسر النفسي والاجتماعي.

تحررت العقلية الإسلامية من رق الوثنية، وتحررت من أسر الوهم والخوف والكهانة المحترفة، وعبادة غير الله تعالى التي كانت مفروضة على الناس بحكم عادات موروثة، فانفتحت أمامها الدنيا على صورتها الواضحة، وتغيرت حياتها الاجتماعية والدينية والنفسية، وتغيرت إحساساتها ونظرتها إلى هذا الكون.

وكان هذا التغير وهذا الانقلاب جديرا بأن يؤدي إلى انقلاب عام في أساس الحياة الاجتماعية، وإلى تطور مستمر يقتات من جميع العصور والأدوار ويمتص من جميع جذور الحياة متى ما صادف من عقول الناس استجابة لهذا التجاوب الإنساني الأصيل وإيلافا لهذا الدفء الإنساني.

وقد كان تقويم المسلمين الأولين من سلف هذه الأمة ـ لهذا المجهود العقلي تقويمه الصحيح وتكيفهم مع مقتضيات التشريع الإسلامي، ومع أصوله العامة، وتزودهم منها بمقدار بالغ خير تراث لهم ولمن بعدهم من الأجيال المتعاقبة، وخير طريقة لبناء حضارة إسلامية خالدة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٥٠