تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقرؤون العقل والمنطق، وبعد هذا وذاك فإن أوثق وأصح مقياس لمن أراد الكتابة أو الكلام على الإسلام أن يجعل نصب عينيه بادئ بدء أن رسالة الإسلام عامة (وما أرسلناك إلا كافة للناس ـ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)، ورسالة بهذه الصفة من العموم والشمول، الشأن فيها أن تكون مرجوة القبول ممن تعرس عليه مهما كانت جنسيته، العربي والعجمي في ذلك سواء، ولا تكون مرجوة القبول إلا إذا كانت مبراة الساحة من الأساطير والخرافات ومختلف الأسانيد التي لا تمت إلى العقل بصلة، ولا تتجاوب مع السنن الكونية والنظم الاجتماعية، وعلام الغيوب سبحانه وحده يعلم ما تنطوي عليه أكداس التفاسير ودواوين الأثار الأمر الذي دفع الكاتب الشهير المرحوم إسحاق النشاشبي إلى الصيحة التي صاحها في كتابه الإسلام الصحيح حيث قال في فورة من الغضب: (دين محمد ما هو لا في التفاسير ولا في كتب الحديث، محمد لا يخالف ربه)، ومن المعلوم أن كلامه هذا لا يؤخذ على عمومه، إنما قصده بأن قناة الإسلام في أمس الحاجة إلى عملية تطهير. وفي معناه جاء في تفسير المنار من كلام مفتي الديار المصرية المرحوم الشيخ محمد عبده في آخر سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله. ما نصه: (فلو انتقدت من جهة سندها لقضت المنون على كثير من الأسانيد بالنقض، ومن كلام هذا الزعيم العظيم أيضا قوله: صلاح الإسلام يكون بالقرءان وشيء قليل من السنة.

والقول الفصل فيما نحن فيه من أن النهضة التي ننشدها في أمس الحاجة إلى تهذيب في أساليب الإرشاد هو ما نقتبسه من سورة المائدة، وشرح ذلك أن الأمم إلى ائتمنها سبحانه على وحيه في آخر الأمر ثلاثة: اليهود على الترتيب الزماني فقال: وكيف يحكمونك وعندهم التوارة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين. إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتال الله وكانوا عليه شهداء. الخ الآية، وثني بالنصارى فقال عز من قائل: وقفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور. ثم ثلث بالمسلمين فقال: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه. فالقارئ يرى أن القرءان جاء مهيمنا ورقيبا على كتاب كليم الله موسى، وعلى كتاب روح الله وكلمته عيسى بن مريم، فإذا كان القرءان مهيمنا على الكتب السماوية أفلا يجدر به ويحق له أن يهيمن على ما سواها من سائر الكتب إبان كان أصحابها، فكان بهذه الخصوصية شبه محكمة النقض والإبرام يجب أن يعرض عليه من جديد ما علق بأصول التربية الصحيحة من مزيج التقاليد والتعاليم الزائفة التي تنتشر عدواها فيما بين الأمم بحكم الجوار والمخالطة من جهة، وبحكم ما يحاك من المؤامرات من طرف خصوم الإسلام من الجهة الأخرى، فإنهم لما أعياهم إطفاء نوره وإحباط دعوته لجأوا إلى الكيد والدس في تعاليمه والمبادئ التي جاء بها لما فيها من قلب للأوضاع التي تقبلتها أنفسهم، ومن تنديد بالغلو الذي خرج من حظيرة التعاليم المقدسة التي لا تزال حمرة شفقها في كثير من الآيات البينات من الكتاب العزيز، (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين. لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا أنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم. الذين آتيناهم الكتاب من قبله ـ أي من قبل القرءان ـ هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا أنه الحق من ربنا أنا كنا من قبله مسلمين أولئك يوتون أجرهم مرتين. وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة). نعم إلى جانب هؤلاء الذين أشاد القرءان بمناقبهم وشهد لهم بأنهم تبوأوا مقعد صدق في برازخ الإيمان ظهرت طائفة أخرى في نفس العهد تكيد للإسلام في السر والجهر تستعمل الأخضر واليابس في التنفير منه، ومن هنا جاءت الإسرائليات التي يندد بها علماء المسلمين ويحذرون من الوقوع في حبائلها، وما يقال في اليهود يقال في المبشرين من الجانب الآخر: ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٤٨