تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شمال المغرب، إلى فترتين كبيرتين: فحتى القرن الخامس عشر عاش الفن الفاسي في اتحاد وثيق فن إسبانيا المسلمة. وابتداء من القرن الخامس عشر انفصل عن أصله الإسباني: فالفرع المقتبس لن يعطي بعد ذلك إلا أزهارا يزيد فقرها شيئا فشيئا، وحيث يبقى مع ذلك، في الأغلب، الانعكاس الشاحب للجمال القديم.

فالفن الإسباني المغربي إذن، يتبع ـ ما دامت إسبانيا المسلمة ـ خطأ الفن الأندلسي ويعكس تطوره، بيد أن المغرب في بعض الأحيان، يظل وحده محافظا على أعمال فنية ترجع لبعض العصور، بينما لم يعد في شبه الجزيرة الإيبيرية أي شاهد عليها .... )).

ويتابع السيد طيراس متحدثا عن الفن في فاس:

((لقد كان القرن الثاني عشر بالنسبة لفاس فترة نشطت فيها البناءات. فالمرابطون والموحدون الذين كانوا قد اتخذوا مراكش عاصمة لهم لم ينسوا المدينة الكبرى في الشمال. فقد كان تكوين امبراطورية واسعة، المغرب مركزا لها، يفتح أمام التجارة الفاسية أفاق جديدة. فتحت حكم السلاطين الذين كانوا يسيطرون على هذا الجانب وذاك من المضيق (العدوتان)، كانت فاس توجد، أكثر مما كان عليه الحال في عهد الأمويين والعامريين، على اتصال وثيق ومستمر بالأندلس. بيد أن الأثر الأساسي لهذه الحقبة: القرويين لازال يفلت منا. ففي اليوم الذي يصبح من المستطاع دراسة القرويين ونشرها (وثائق عنها) بكاملها، فستفيدنا بالكثير ـ أكثر حتى من جامع تلمسان ـ عن فن المرابطين. وسنشاهد أن المعبد القديم، الذي نراه من خلال أزقة مظلمة، هو من أجمل الصروح في إفريقيا الشمالية. وأن للقرويين، بالنسبة إلى فاس، وفوق جمالها، قيما أخرى متعددة. فهي منذ عدة قرون، جامعة المغرب الوحيدة، ومركز الحياة الإسلامية ومستقرها في هذه البلاد. وهي كالمسجد الأم في المدينة: فجميع الصوامع في فاس مبنية على شكل يمكن معه أن يرى من أعلاها، صعود الشعلة التي تعطي الإشارة بـ (أوقات) الصلاة من أعلى برج القرويين القديم)).

ويتحدث السيد طيراس بعد ذلك بقليل عن فن القرن الثالث عشر، فيقول:

((أن هذا الفن أنتج، في شمال المغرب، أمهات آثاره: فإسبانيا المسلمة كان قد أعيد احتلالها في الجزء الأكبر منها، ومملكة غرناطة لم تزل منهمكة في أعمالها التنظيمية والدفاعية. بينما، في المغرب، كان في إمكان سلطاني بني مرين الأولين، أبي يوسف يعقوب وأبي يعقوب يوسف، أن يقوما ببناءات فخمة واسعة. وهما يجدان لذة في تجميل المدينة الجديدة التي جعلا منها عاصمة لهما: فاس الجديد، وكذلك القلعة التي، بعد أن كانت استناد أجدادهما، لم تزل تحرس حينئذ مملكتهم في الشرق: تازة ..

وهناك مسجدان وصلا إلينا بكاملهما، ويخبراننا عما كان عليه الفن المريني الأول: المسجد الكبير في فاس الجديد، الذي بناه أبو يوسف يعقوب في السنوان التي أعقبت تأسيس المدينة (1276)، والمسجد الكبير في تازة، الذي كبره وأعاد بنائه، اعتبارا من أحد الأبنية الموحدية، أبو يوسف يعقوب. وأن مسجد الحمراء في فاس الجديد، الذي يبدو لاحقا على المسجدين الأولين، هو من نفس الصنف، وينبغي أن يدرس معهما.

ومن الدراسات والصور التي صنعت لهذه البنآءات، تبرز نتيجة واضحة كل الوضوح: يوجد نموذج للمسجد الكبير من القرن الثالث عشر، يختلف كثيرا عن المساجد الكبرى الموحدية، ولكن المعابد التي على غراره من القرن الرابع عشر لن تكون إلا تبسيطا عنه. فبينما شاهدت نهاية القرن الثاني عشر بروز مخططات للمساجد لم تعرف من قبل، أصبح الفن الإسباني المغربي، الذي ضاع بعض الوقت في طريق التجديدات الجزئية، يميل نحو الانحباس في تقليد محدد جيد التحديد. وتعطي هذه البساطة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥١٠