هو الشأن اليوم (*). ولم تكن مدينة المنصور أضحت حينئذ إلا مجموعة من البساتين.
ولم يذكر التاريخ أن سلا الجديدة استعملت يوما ما كمركز لتجمع الجيوش من أجل مرورها إلى إسبانيا. ويبدو أن التجمع لم يقع إلا مرة واحدة، قبل بناء المدينة في عهد عبد المومن الذي مات في ذلك الوقت وسط جيشه، وتفرقت جيوشه في الحين.
أن القارئ وهو يتصفح التواريخ القديمة، يضيع بين الأسماء المختلفة، شلا وسلا ورباط الفتح، وسلا الجديدة وسلا القديمة، التي تبدو منطبقة على إقليم واحد بعينه. أفلا يكون الترتيب الواجب اتباعه هو الآتي: فقد كانت توجد تحت الحكم الروماني، في مصب أبي رقراق، مدينة تسمى سلا كولونيا، وفي أواخر القرن الثاني عشر كانت توجد على الشاطئ الأيمن للنهر، مدينة إسلامية، يسميها مؤرخ ذلك العصر سلا القديمة، وهي سلا أيامنا هذه ـ وفي الجزء المقفر من سلا كولونيا، في الجانب الأيسر من النهر، بنى يعقوب المنصور مدينة جديدة، هي ما نسميها بسلا الجديدة، وقد أصبحت هذه التسمية هي الاسم العام الذي يستعمله الرجل العامي حتى أيامنا هذه (*). بيد أن يعقوب المنصور أراد تسميتها رباط الفتح، فإلى أي فتح يشير؟ قد كان يظن بأن الأمر يتعلق بذكرى انتصار الأرك الذي حققه العاهل على مسيحيي إسبانيا في 591 (1195م) بيد أن هذه الفرضية تبدو بدون أساس. ويخبرنا أحد معاصري يعقوب المنصور، في تاريخه عن الموحدين، أن الأمر كان يتعلق بنصر وعد به المهدي ابن تومرت جيوشه. وقد استعاد يعقوب المنصور أو اختلق ـ من أجل الحصول على تأييد رجال طريقته الذين كانوا في الحكم ـ نبوءة للمهدي متعلقة بهذا النصر. فقد كان المهدي تنبأ بأن الموحدين بعد أن تعترهم الخطوب الهائلة، سيصبحون يوما وليس في حوزتهم إلا مدينة واحدة على الساحل (عليهم أن يبنوها هم أنفسهم)، بيد أنهم سيخرجون منها يوما منتصرين لغزو العالم.
إذن، فقد بنى يعقوب المنصور المدينة القوية والضرورية «لنصر مقبل».
أن النبوءة المستذكرة كانت بدون شك غير صادقة «وقد كان المعاصرون يشكون في ذلك» فهي لم تتحقق.
وإذا كان لمدينة الرباط يوما أن تحرز ـ عن استحقاق ـ على لقب من ألقاب المجد، فذلك سيكون بفضل ازدهارها الذي يرجع إلى زمان قريب. وأن مستقبلها ليبشر بأحسن النتائج.
نشرت هذه الرسالة في مجلة (فرنسا ـ المغرب) عدد يونيه ـ يوليه 1925
*) في سنة 1925.
*) لا وجود لهذه التسمية عند رجل الشارع اليوم. (المعرب)