موقن من أن فظائع أخرى ذيلت بها صحيفتي دون أن يكون لي فيها يد ولو كنت أجد سبيلا لتبرئة ساحتي حتى بالتخلي عما يحوطني من شهرة وثراء وجاه لما ترددت في ذلك لحظة واحدة، ولكن طالما حاولت ذلك فوجدت جميع المنافذ قد سدت في وجهي، وهذا ما أقنعني أحيانا بأن الوقت المناسب لهذا قد فات ..
- ولو كان في إمكاني أن أتقمص شخصية شيبة متخليا له عن شخصيتي وما يكتنفها من المظاهر، لفعلت وأنا جد مغتبط سعيد. ان شيبة هذا الذي سئمت معاشرته، رجل غني بنفسه وشريف ببراءة ساحته وفاضل بعفافه .. أما أنا فعلى العكس من ذلك ولا يستبعد أن يأتي يوم تدعو فيه حاجة الناس إلى رجل من طراز شيبة .. وما الأحداث المتعددة الا طلائع ذلك اليوم المنتظر ..
- خيرية- (متطلعة) وماذا أوردك مورد هذا التندم؟
- فياض- (يغالب تأثره) التقلب هو ابرز صفات الدهر.
- خيرية- إني جد مرتابة في هذا!
- فياض-ولماذا؟
- خيرية- لأن المادة لا تزال قبلة الخاصة والعامة.
- والجاه أنشودة المحافل. والمصلحة الذاتية هي القانون الذي تطأطئ له الرؤوس. والحسوبية دين مقدس.
فياض- ولكن هذا في طريق الزوال
خيرية- لا أصدق هذا .. ولكن سنرى!
المنظر الثالث
(حجرة صغيرة بسيطة الأثاث .. خيرة وشيبة)
شيبة- (كالمستيقظ من سنة التأمل) يعز على الإنسان أن يتنكر إلى مبدأ طالما كان عزاره الوحيد في هذه الحياة .. ومع هذا فإن احترام مبدأ لا يساير الزمن نوع من العبودية وجمود يجعل صاحبه متخلفا عن قافلة الحياة.
خيرية- (مترفقة) هذا إذا كان لا يتعرض إلى مؤاخذة. فالمحافظون أحيانا يكونون ذوي رسالة في المجتمع، ويكون ذلك عندما تستيقظ في الناس روح الحفاظ على تراثهم القومي بما في ذلك سمو الأخلاق وعلو الهمة ...
شيبة- احسب أنني لم أعد في حساب هؤلاء، فقد وقع أن أعلنت في جمع من الناس نقمتي على المبدأ القائل "بأن الفضيلة لا تخضع للتجديد"وطالبت بوجوب مسايرة الفضيلة لروح العصر ..
خيرية- (في تردد) ما كان من حقك ان تتسرع إلى هذا الحد .. وعلى كل حال فقد يعتبر تصريحك هذا في جمع مصغر من قبيل الدعابات التي يقصد منها الترويح عن النفس ..
شيبة- ما أحسب أنهم يؤولونه هذا التأويل ..
ولقد حررت رسالة في الموضوع واطلعت بعض الشخصيات على مضمونها ووعدت بنشرها وهذا ما يمنعني من التراجع عن موقفي.
خيرية- لا يجمل برجل مثلك أن يتنكب عن الطريق ويعتنق مبدأ جديدا قبل النظر في العاقبة.
سيبة- أنت المسؤولة عن هذا كله.
خيرية - ذلك كان رأيي وأنت تعلم الحكمة المأثورة "مهما كان رأي المرأة فهو مؤنت طبعا"
خيرية- (مبتسما) ما أحلى هذا الاعتراف من جانبك .. أظن ان رأيي قد أصيب هو الآخر بلوثة التأنيث.
خيرية- كل شيء ممكن .. (يضحكان معا).