دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 .................... ص 20
ولقينا بمنى كذلك الأستاذ احمد توفيق المدني ورفاقا له من جهة التحرير الجزائرية، والأستاذ عبد الحكيم عابدين من الإخوان المسلمين، وحجاجا مغاربة كثيرين رجالا ونساء كنا نتفقدهم في أماكن نزولهم وننظر هل بهم من حاجة؟ ...
وذهبنا إلى عرفة ضحى يومها، وهو يوم الأحد 9 يوليوز، وكان السير منظما كأحسن ما يكون التنظيم مع كثرة الذاهبين مشاة وركبانا، وإرسال السيارات لا حد لها، والطريق معبد كأحسن الطرق في المغرب، وشرطة المرور قائمة بواجبها في انتباه عظيم، ومما تجدر الإشارة إليه أن سيارة كانت أمامنا سنحت لها فرصة للسبق، فأراد سائقها أن يغتنمها، فما كان من الشرطي اليقظ إلا أن استوقفه وأمره بالنزول، ثم علاه بالسوط وحكم عليه بالوقوف مدة بحيث بقي متأخرا ... ولم نقض في الطريق إلى عرفات إلا نصف ساعة، في حين أننا بعد الوصول بقينا ساعة ننتظر العثور على مكان تخييمنا.
وكان المطوف قد هيا لنا كل ما يلزم، واحتفل في ذلك غاية الاحتفال، فنصب لنا سرداقا فخما وفرشه بأحسن ما لديه من الفرش، واعد لنا من الطعام والماء والثلج فوق الكفاية، وكان اليوم ظليلا رحمة من الله بوفوده اللاجئين إليه الطامعين في مغفرته، فلا تسل عن روحانية ذلك الموقف والأنس والإشراق والطمأنينة التي غمرت النفوس وأثلجت الصدور ...
وآوى إلينا بعض الإخوان الذين زاد بهم سرورنا، ومنهم الأستاذ سيدي التهامي الوزاني الذي لقيناه أول مرة بالمدينة المنورة، وكذلك جوق المطربين الذي صحب حجاج الباخرة، فأمتعنا بإنشاد بعض الامداح النبوية ... ولا اكتم القراء أنني منذ نشأت وأنا أتمنى حجة يصحبنه فيها بعض هؤلاء المنشدين، للتملي بالانشادات الدينية، فها هي ذي أمنيتي تتحقق بفضل محمد الخامس أدام الله وجوده.
ومن الغريب أننا في حالة الإنشاد هذه، ـ استلفتنا أنظار الناس، وجاء بعض المراقبين من جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقوم بواجبه، ولكنه لما سال عن هذا السرادق، ورأى الراية المغربية ترفرف فوقه وقيل له انه (أمير) الحاج الحاج المغربي، رجع عوده على بدئه ولم يقل لنا شيئا، فهل اطمأن إلينا أننا لا نفعل منكرا واحترام الصفة الرسمية التي للوفد؟ .. وعلق بعض الإخوان قائلا: كيف لم ير حضرة المراقب المجلات المتعلقة قبالة المسجد النبوي، وعلى غلافاتها صور الراقصات الخليعة، وسمع صوت المنشدين للامداح النبوية هنا؟ ...
وبهذه المناسبة اذكر، ولو للفكاهة، أن احد الأصدقاء الكتبيين، اخذ مني ذات مرة نسخا من (مورد الشارعين) شرح (المرشد المعين) لوالدي رحمه الله، وشرح الشمقمقية، ثم ما لبث أن رجع إلى واستقالني من شرح المرشد قائلا: انه يحرم بيعه لما فيه من تقرير للعقائد على مذهب الاشاعرة، وهو كفر ... فقلت له: لعل فلانا كان عندك اليوم ورأى الكتاب؟ فقال: نعم.
وفلان هذا الذي ذكرته له، هو احد أصدقائنا من أئمة العلم والدين السلفيين، وكان له على صديقنا الكتبي المذكور تأثير وأي تأثير في إنقاذه مما كان عليه من الأفكار الخرافية، التي لم نستطيع نحن أن نحوله عنها مدى السنين الطويلة، لصداقتنا المبتدئة بزمن الدراسة.
فقلت لهذا الصديق: كيف يكون الكتاب الذي فيه هذا البيت:
وجوده له دليل قاطع * حاجة كل محدث للصانع
الخ حرام البيع، والكتاب الذي فيه هذا البيت:
تمنع مس جسمها لثوبها * ثلاثة مثل الاتافي في الرقي
الخ حلاله؟ .. فلم يقبل نقاشا في الموضوع، كما كان قبل لا يقبل منا نقاشا فيما كان عليه من طريق، وأنا لا أدافع عنا عن عقيدة الاشعرية، فعقيدتي والحمد لله سلفية خالصة، ولكني أنكر هذا الغلو، (ولكل وجهة هو مواليها فاستبقوا الخيرا).
ولجا إلينا وسط النهار رجل من، عليه سيما الوجاهة ولونه يضرب إلى السواد، فطلب منا أن يستريح عندنا قليلا ... وكان اثر الإجهاد والتعب باديا عليه، فبقي مدة لا يستطيع الكلام ولا يتنفس إلا بصعوبة، فباشرناه وسقيناه وأسعفناه بالثلج على رأسه حتى استرجع قوته، واخبرنا انه من تجار السودان، وانه ضل عن رفقته، فأصابه ما أصابه أثناء البحث عنها، ولما رأى هذا السرادق العظيم، أيقن انه لأناس أفاضل، فلجا إليهم وقد عزمناه، ولم نتركه يذهب إلا في أواخر النهار، وبعد أن حضر بعض رفاقه،. ولما أراد الانصراف دفع إلينا بعض الأوراق المالية، جزاء ضيافتنا له، فأخبرناه أننا لم نفعل معه إلا ما توجبه الإخوة الإسلامية والمروءة، وإننا مسرورين بهذه الفرصة التي أتاحت لنا التعرف باخ سوداني فاضل مثله وخدمته، إحدى فوائد الحج، واجتماع المسلمين من شتى أقطار الأرض في هذا الصعيد المبارك، وكفانا ما سمعناه من الثناء والشكر فذلك أعظم الجزاء.
وإنما ذكرت هذه الحادثة تنبيها إلى ما يتعرض له الحاج من الخطر حينما يتيه في هذا الخصم الهائل من البشر، فان الكثرة من الذين أصيبوا بضربة الشمس، إنما وقع لهم مثل ما وقع لهذا الحاج السوداني، وإذا كان أصحابنا إنما اهتدوا لموضوع التخييم الذي يعرفونه كل المعرفة بعد ساعة من الزمن، كما اشرنا لذلك، فكيف يهدي الغريب إذا ضل عن مكانه وسط مآت الألوف التي ترتدي ثوبا مماثلا، وتأوي إلى خيم مماثلة؟ على أن الحكومة قد أقامت مراكز للارشاد، وقسمت مكان الوقوف من الجبل إلى مناطق، واتخذت وسائل