تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 .................... ص 19

التقينا برجال السفارة الذين حدثونا عن المأدبة الملكية وما لقوه فيها من بر وإكرام.

ورباط المغرب هذا هو بيت مكون من ثلاث طبقات ويقال انه مشترك بين أقطار إفريقيا الشمالية الثلاثة، فينزل وفد كل قطر منها في طبقة منه، وفي هذا العام كان نزول الوفد المغربي وأعضاء السفارة في الطبقة الأولى المخصصة للمغرب، مدعاة للتضايق، ذلك أن هذه البناية، فضلا عن كونها قديمة وفاقدة لكل أسباب الراحة من حمام ودورة مياه ومطبخ، فإنها صغيرة، وليس في الطبقة التي كنا بها غير غرفة متوسطة بداخلها بيت صغير للنوم، يسع سريرين اثنين لا غير، ثم بيت سفلي تابع للطبقة الأولى، وأحسن ما في هذا الرباط هو قربه من الحرام، وكونه منورا بالكهرباء.

وإنما نصف المنازل التي حللنا بها هنا وهناك، لتتير اهتمام حكومتنا بالأمر، فانه من الأكيد، بل الواجب، أن تقوم الحكومة المغربية ببناء بيوت مشرفة في مكة والمدينة ومنى، ينزل فيها وفد الحج المغربي، ويستقبل فيها الزوار من مختلف الأقطار الإسلامية، فانا كنا نخجل من استقبال أية شخصية مهمة في أماكن نزولنا هذه، ولا نجرؤ مطلقا على استدعاء احد لتشريفنا في هذه الأماكن، ولا ندري كيف كان يفعل أعضاء الوفود التي سبقتنا ...

وقد وجدنا الحجاج المغاربة الذين جاؤا بطريق البحر في مكة، والتقينا بكثير منهم، وكلهم يذكرون أن السفر كان مريحا بل ممتعا، وكان من بينهم وفد وزارة الداخلية المركب من السادة المختار بن قليلو، واحمد العبدي، والخليفة ابن الأحمر، ومبعوث الإذاعة السيد عبد اللطيف الغربي، ورئيس البعثة الصحية الدكتور مأمون الفاسي، وهم جميعا من الشبان المهذبين ذوي الأخلاق الكريمة، وقد قضوا معنا أياما لا تنسى.

ومن الغد صلينا الجمعة بالحرم الشريف، وكان مشهدا عظيما جدا، عظيما بروعته، وجلاله، عظيما بمن شهده من هذه الخلائق التي يخطها العد، ولا يستوعبها الوصف، عظيما بالخطاب الجليل الذي ألقاه إمام المسجد الحرام منوها بحكمة الحج، وداعيا المسلمين إلى التمسك بعروة الدين الو ثقي، عظيما بهذه الصلاة تجاه الكعبة حيث لا شرق ولا غرب ولا شمال ولا جنوب، وإنما هو كفاح وعيان لا يحتاج معه إلى دليل أو برهان على صدق قوله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله). وقد أتيح لنا أن نشاهد هذه الأمواج المتلاطمة من البشر، من المكان المشرف الذي هيأه لنا السيد احمد الزمزمي، وهو ملاصق لبيته، فرشه بالبسط، وأدلى لنا من نافذة بيته مروحة كهربائية، وكان يتعاهدنا بماء زمزم في آنية نظيفة، ولم يكن معنا فضلا عن الشخصيات المغربية التي ذكرناها من قبل، إلا أخ هندي من أعيان بلاده فكنا موضع غبطة من الجميع الذين مروا أمامنا، وكم كان من الدين لا يجدون أين يجلسون، يهمون بالإيواء إلينا فيردهم الخدم الذين كلفهم السيد الزمزمي بنا، ونخجل نحن ونستغفر الله من هذا التميز الذي لم تكن لنا فيه يد، ولم يكن منه بد، خصوصا وان المحل لا يتسع لأكثر ممن هم فيه.

وكنت اقرأ عند الفقهاء، جواز السجود عند كثرة المصلين كيفما تأتي، ولو أن يسجد بعضهم على ظهر بعض، فكنت استبعد ذلك حتى رايته هنا، وكم كان عجبي شديدا، حينما سلمنا من الصلاة، ونظرت فرأيت الناس يطوفون بالكعبة، لا ادري أصلوا معنا أم هم يطوفون من قبل؟ ...

وخرجنا يوم السبت، وكان هو يوم التروية، على منى محرمين بالحج، فمكثنا بها حتى صلينا الصبح من الغد الذي هو يوم عرفة، وكان نزولنا في البيت الذي اكتريناه بواسطة المطوف ومعرفة السفارة، وهو بيت قديم كان ملكا للأمير منصور آل سعود، ولكنه الآن متهدم وأرضه تراب لا بلاط لها، ونوافذه وأبوابه لا مصاريع لها، أو لها مصاريع مكسرة، وبالجملة فهو عبارة عن هيكل بناية قديمة، ومع ذلك فقد كان ثمن كرائه مليونا وخمسين ألف فرنك، لثلاثة أيام أو أربعة هي أيام منى، فانظر كيف يرتفع مستوى الحياة في الحجاز أيام الحج! ومن هنا قلنا لا بد من بناء بيت مغربي مستوف لأسباب الراحة في كل من منى ومكة والمدينة، ينزله الوفد، فانه فضلا عما في ذلك من محافظة على سمعة الوطن وصحة المواطنين، فيه أيضا اقتصاد كبير.

ومنى قرية ناشئة اعني من ناحية العمارة، فقد دب إليها الإصلاح والبناء، وطرقها نظيفة وحسنة، وبها فندق جميل احتكره هذه السنة الحجاج الباكستانيون، وبها بناية للمؤتمر الإسلامي العام من أفخم ما يكون، ولم ينعقد هذه السنة، وعلى ذكر هذا المؤتمر فقد لقينا صديقنا الأستاذ سعيد رمضان الداعية الإسلامي المعروف، وقد دعا إلى مؤتمر انعقد بمكة بعد الفراغ من أعمال الحج، وكنا حينئذ بجدة فلم نستطع حضوره جميعا وحضره الأخ الأستاذ إبراهيم الكتاني.

ومسجد الحيف المشهور بمنى، مسجد قديم وله صحن كبير مكشوف، أما بلاطاته المسقفة فيستحيل وجود محل فيها لداخل بقصد الصلاة مثلنا، فقد احتله فقراء الحجاج من كل قطر وجنس، ومعهم أتقتلهم وأدواتهم، وصار الواغلون فيهم من غير طبقتهم متطفلين غير مرغوب فيهم.

والجو بمنى اشد حرارة من مكة ... على أننا وجدنا مكة ألطف جوا حتى من المدينة خلافا للمعهود فيها، وقيل لنا أن الوقت الذي كنا فيه بالمدينة هو اشد أوقاتها حرا، لأنه مرسم النمر الذي يدرك فيه ويتم نضجه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٦