تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يجد هذا الاختيار وهذه الجهود النافعة شيئا، بل ظلت اللهجات الخاصة تؤثر في القراءات، وهذا ما اصطلح عليه الأوائل بالقراءات الشاذة، وقد ألف في هذا الموضوع التصانيف الكثيرة كما نعرف ذلك من تاريخ القرءان مما تحدثنا به كتب التراجم والمجامع الأخرى، فقد كتب فيه كثير من النحويين الأقدمين كالفراء وابن خالويه والعكبري، والداني، ولم يصل إلينا من هذه التصانيف الكثيرة إلا الشيء اليسير مثل كتاب البديع لابن خالويه وكتب التفسير حافلة بهذه الوجوه من القراءات.

ومادة "القراءات" في مجموعها مصدر مهم من مصادر التاريخ اللغوي، ذلك أننا لا نعلم كثيرا عن مراحل تطور العربية من أقدم عصورها، وذلك لقلة المكتشف المكتوب من صحف ونقوش وغير ذلك من نصوص هذه اللغة القديمة على عكس ما حصل في كثير من اللغات السامية الأخرى التي دل التنقيب الحديث على تاريخها القديم ومراحلها المتعاقبة، غير أن شيئا من هذا لم يتم في العربية، فالذي نعرفه من نصوصها القديمة هو الشعر الجاهلي ولا نستطيع أن نعد، النصوص الجاهلية مرحلة أولى أو قريبة من الأولى في التاريخ اللغوي، فهي نصوص تكشف عن مستوى عال من تاريخ اللغة وليس صحيحا أن تبدأ لغة ما بمثل هذه النصوص الفصيحة البليغة، ومن هنا فلا بد أن نسأل أنفسنا أين نجد معالم وآثار ذلك التاريخ اللغوي القديم، والجواب أننا لا بد لنا أن نتوجه إلى كتاب الله الكريم لنتبين ذلك في لغة التنزيل، ومعلوم أن القراءات على اختلافها تقدم مادة للباحث، ثم ان لغة القرآن بخصائصها الخاصة مفيدة في هذا الباب، ذلك أن القرءان حدث من أهم الأحداث في تاريخ العربية، فهو انطلاقة بهذه اللغة لتعبر عن حضارة جديدة ذات مثل وأفكار جديدة عالية، وهكذا دفع الإسلام هذه اللغات خطوات إلى الأمام.

وقد بهرت لغة التنزيل جموع العرب وسيطرت على أفكارهم وكانوا يقفون منها موقف السائل المتحير والمعجب المأخوذ، فقد أثر عن عبد الله بن عباس أنه قال: "والله ما أدري ما الحنان" وذلك من قوله تعالى "وحنانا من لدنا" ومثل هذا الخبر كثير تكشف عنه مصادر القرءان من كتب التفسير والقراءات. ومن أجل ذلك زخرت المكتبة العربية بالدراسات القرآنية منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، وربما لم يقيض لكتاب من الكتب أن تدرس نصوصه وتفسر وتحلل في طرائق مختلفة مثلما تهيأ للقرآن الكريم، وما زالت البحوث والدراسات تجد في ايامنا هذه وتقوم على ناحية من نواحي القرءان المتعددة.

وكتب القراءات والتفسير تعكس نماذج من هذه اللغة المتطورة كما هي تعكس لونا من ألوان العربية التي ضاعت وعفى عليها الزمان ولم يهتم بها علماء اللغة أنفسهم وذلك لاهتمامهم بالفصيح والأفصح، ولأن لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن قد فرضتا عليهم حدودا لا يستطيعون مبارحتها الا تراهم قالوا بالمولد والفصيح، وأن الأصمعي من علماء اللغة الأقدمين أنكر استعمال "زوجة" بدلا من "زوج" محتجا بقوله تعالى "أمسك عليك زوجك" فقيل له ان الشاعر ذا الرمة يقول:

اذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة أراك لها في البصرة اليوم ثاويا

فقال: ذو الرمة ليس بحجة إذ طالما أكل البقل والمالح في حوانيت البقالين، وهكذا قد حصروا الفصيح في حقبة معينة لم يتجاوزوها إلى غيرها، ألا ترى أن بعضهم قد اعتبر جريرا والفرزدق بداية لهؤلاء المولدين، وأنه لم يأخذ بشعر نفر من الشعراء الأقدمين لأن هذا وذاك ممن نسب إلى هذيل مثلا، أو أنه اتصل بمواطن لم تسلم لها عروبتها.

وطبيعي أن هذا المنهج لا يعنى بموضوع اللهجات بل قل إن كثيرا من معالم اللهجات اعتبر من الصفات المذمومة الحقيرة، ألا نرى ابن فارس من علماء اللغة الأقدمين يعقد فصلا عن اللغات في كتابه "الصاحبي". ولكننا لا نعدم أن نجد شيئا من ذلك في كتب القراءات ولا سيما ما كان منه في القراءات الشاذة، فقد جاء في مختصر ابن خالويه في شواذ القراءات أن يحيى بن وثاب قرأ في سورة البقرة قوله تعالى "ولا تقربا هذه الشجرة" بكسر الشين وإبدال الياء بالجيم، ومعلوم أن هذا الإبدال علامة مميزة للهجة من اللهجات الدارجة، وهي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا في كثير من الأقاليم القروية في جنوبي العراق مثلا، وإذا أضفنا إلى ذلك كسر الشين اتضح الشكل الدارج الذي سرى في قراءة يحيى بن وثاب.

وقرأ مسلمة بن محارب "بعولتهن" من قوله تعالى "وبعولتهن أحق بردهن" بجزم التاء من "البعولة"، و معلوم أن "البعولة" جمع "بعل" كالسهولة جمع سهل والفحولة جمح فحل، وعندي أن اختلاف القوم في صيغ الجموع ولا سيما جموع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٥٢