دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص17
القرآن وأصول اللغة
للدكتور ابراهيم السامرائي
لقد بهرت لغة التنزيل المسلمين في عصورهم الأولى، فأقبلوا عليها يتدارسونها فيجدون كل جديد. ومن أجل ذلك فالقرآن بداية لنهضة فكرية للعرب تعكس مستوى عاليا للتفكير والحضارة ذلك أنه لم يكن للعرب قبل الاسلام، وفي ظلال الوثنية الأولى، شيء حضاري كالذي جاء به الإسلام مفصحا به الكتاب المنير: فالعلوم الاسلامية اعتمدت أصولها في كتاب الله، وظل الباحثون في مختلف العصور يجدون فيه المادة الجديدة والألوان المبتكرة فيقيمون عليها بحثهم، ولم ينصرف المسلمون عنه في أي عصر من العصور الماضية، فقد تمسكوا به حين بهرتهم الفلسفة الإغريقية فأقبلوا عليها واردين، وظل الفلاسفة المسلمون متعلقين بآية الكريم واجدين فيه معينا لا يتضب، مفيدين منه أعظم الفائدة مسترشدين به فيما أخذوا من سبل المعرفة الجديدة القائمة على الفلسفة الإغريقية، وهكذا تم لهم شيء موحد منسجم أقيم على الإسلام واتخذ له إطارا فلسفيا، وبقيت الفرق المختلفة والتيارات الفكرية المتضاربة تجد في كتاب الله اساس دعوتها ومادة آرائها، فلقد اعتمده أهل السنة كما عول عليه الشيعة، واستند إليه الخوارج في ءارائهم الجريئة كما اعتمده المعتزلة وتمسك به المتصوفة.
وقد نشأت علوم العربية نتيجة لإقبال المسلمين على كتاب الله يدرسونه ويتبينون اختلاف الصحف فيه بين إقليم وآخر، وقد ألف في هذا الباب المصنفات فكان من ذلك ـ "اختلاف مصاحف الشام والحجاز لإبن عامر" وكتاب "اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة للكساني" وكتاب "اختلاف المصاحف" لخلف بن هشام وكتاب "اختلاف المصاحف وجامع القراءات" للمدائني وكتاب "اختلاف المصاحف: لأبي حاتم، وغير هذا كثير نجد ذكره في المجاميع الضخمة من كتب التراجم والطبقات، وفي مادة "قراءات" في كثير من المصادر ولكننا لم نحظ من هذه الوفرة الكبيرة إلا بكتاب أبي داود السجستاني ابن الإمام أبي داود المحدث المشهور وصاحب السنن.
وباب القراءات من الأبواب التي كثر التأليف فيها لما شرع بين المسلمين من وجوهها بحيث اضطر عثمان إلى أن يجمع مصحفه المشهور ويوزعه في الأمصار ليكون المسلمون على بينة من نصوص الكتاب الكريم، وندب لذلك زيد بن ثابت، واستعان بالصحف التي احتفظت بها حفصة بنت عمر زوج النبي (ص) وبهذا سلم للقرآن وجه لغوي واضح تأثر أكثر ما تأثر به بلغة قريش، وندب عثمان لزيد بن ثابت من كتاب الوحي لهذا الغرض الجليل أمر مهم، ذلك أنه أغفل غيره كابن مسعود الذي كان متأثرا بلهجته الهذلية، ففي الأخبار أن عمر قد بعث إليه أن يقرئ الناس بلغة قريش ولا يقرئهم بلغة هذيل، وذلك حين سمع أحدهم يقرأ "ليسجننه عتى، حين" ويريد بها "حتى حين" وكان عمر يقول "أنا لنرغب عن كثير من لحن أبي" والمراد باللحن هو اللغة أو ما نسميه اليوم باللهجة، وبم يسلم مصحف عثمان من هذه "الألحان" بالرغم من الطريقة التي تم بها، وبالرغم من إبطال كثير من الصحف لما اشتملت عليه من وجوه القراءات الضعيفة أو الشاذة، التي رغب عنها عثمان، فقد روي عن عامر القرشي أنه قال: "لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنر فيه فقال قد أحسنتم وأجملتم ولكني أرى فيه شيئا من "لحن" ستقيمه العرب بألسنتها". على أن مصحف عثمان هذا قد خلا من النقط والشكل وكان ذلك دافعا للقراء على الاختيار في قراءاتهم وهكذا نشأ لكل مصر من الأمصار قراءة خاصة به، معتمدين في ذلك على نصوص المصحف العثماني وعلى المصاحف الأخرى التي منع عثمان أن يؤخذ بها إلى أن جاء أبو بكر بن مجاهد (سنة 322 للهجرة) فاختار من هذه القراءات الكثيرة ما صح عنده فكانت القراءات السبع المشهورة أخذا بالحديث الشريف "انزل القرءان على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه"، على أن آخرين لم يستحسنوا اختيار ابن مجاهد ورجحوا قراءات أخرى فكان من ذلك القراءات العشر وربما زادت هذا العدد بكثير.