دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص10
موقف الإسلام من التطور الاجتماعي وفقا لمقتضيات العصر
للدكتور محمد البهي
لكي يتضح الكلام في ها الموضوع يجب أن يشرح أولا: معنى التطور الاجتماعي، ويشرح ثانيا: معنى مقتضيات العصر.
معنى التطور الاجتماعي:
والتطور الاجتماعي هو تطور علاقات الأفراد بعضهم ببعض، بحيث يكون الجانب الاجتماعي، أو بحيث تكون النظرة إلى رعاية الفرد للفرد لا تقل عن رعاية الفرد نفسه. التطور الاجتماعي هو نمو علاقات الأفراد في دائرة المشاركة الوجدانية والتعاون في سبيل العمل المثمر والخير العام للجميع، بدلا من استمرار "الفردية" وتحكم الأنانية التي توحي بها طفولة الفرد، وطفولة المجتمع.
ولكي ندرك معنى التطور الاجتماعي إدراكا لا بس فيه نعود إلى الجماعات البدائية، التي لم تع بعد العلاقات المشتركة، ولم تقر بعد بالوجود المشترك بين الأفراد، ولم تقر كذلك بالهدف المشترك الذي يصح أن يجتمع عليه فريق من الناس، وجملة من الأفراد، ويقيمون بسبب ذلك "مجتمعا" بينهم يسعون جميعا لتحقيق هدفه، والتعاون جميعا في سبي بقائه.
إن الإنسان البدائي لا يكون مع إنسان آخر بدائي مثله "مجتمعا" وإنما يتكون منه ومن نظيره "مجموع" تخضع العلاقات بين الأفراد فيه للأنانية، ولغريزتي حب البقاء، والدفاع عن النفس دون سواهما من الغرائز الاجتماعية الكامنة في الإنسان والتي لم تبرز بعد بتأثير التوجيه والإيقاظ. ومن ثم لا تعرف هذه العلاقات السلم إلا عند مواجهة ضعيف لقوي بين الأفراد، أما قاعدة التعامل فهي الاحتكاك عند السعي نحو ما يسد حاجة البطن أو ينفس عن شهوة الفرج.
ليست هناك علاقات في واقع الأمر بين أفراد المجموع إلا بمقدار ما يقع بينهم من احتكاك واصطدام من أجل تحقيق ما أشرنا إليه من هدف: ليست هناك علاقات أسرية. أي ليست هناك علاقات أبوة وبنوة وأمومة وأخوة .. إلى بقية أنواع القربى في الأسرة، التي تقوم على الدم المشترك، والوراثة العقلية والمادية، والوضع الذي لهذه الأسرة. نعم ينل الأفراد بصلة الذكر بالأنثى بحكم التفاعل الطبيعي بين الموجب والقابل. ولكن قلما يوجد الشعور بنوع القرابة الأسرية. بمعنى أنه قلما توجد هناك رعاية من أب لابنه، أو رعاية من ذكر لأنثى أنتج منها ولدا. وعلى معنى أنه قلما يوجد هدف هو المحافظة على الأسرة، بالسعي في توفير العيش لها، وبالدفاع عن أفرادها، ان احتاج الأمر إلى الدفاع عنها، وصيانتها من الإبادة أو الإفناء. بل كثيرا ما يصطدم الذكر الأب بالأنثى الأم، أو يصطدم الأب بابنه، والأخ بأخيه في سبيل الحصول على لقمة العيش. وكثيرا ما لا يعرف الذكر عند الاجتماع بالأنثى حرمة لأمه ولا لأخته، ولا للأخريات اللواتي لا يقر "المجتمع" نكاحهن من أفراد معينين لأنهم محارم لهم. لهذا ليس هناك حد لتعدد الزوجات. وليس هناك إطار للحل وللحرمة في التزاوج. بل ربما لا يوجد رقم معروف يحدد الأفراد الذين ينتمون إلى نسل رجل واحد في علاقته بعدد من الإناث.