تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخبر أحدا .. ولكن، حيث أنك أتيت، فها أنت تعرف الحقيقة، وإنما لا تلق علي أي سؤال آخر .. ومن الاحسن أن نترك هذا الأمر وندخل في موضوع غيره.

وغاظني منه هذا الكلام، فأجبته: لعلك تعتقد أني ما جئت إلا لكي أتجسس عليك؟ ولا نفكر مطلقا أن الصداقة هي التي دفعتني لكل هذا الفضول، ولكن ..

وهنا توقفت، لما رأيته صامتا ساكنا ينظر إلي بعينين تعبران عن ألم عميق، وعلمت أن كلماتي لا تطابق المقام فهدأت من روعي وقلت: سامحني إذا كنت مخطئا يا علي .. ولعلني إذا اقترحت عليك أن أرافقك في هذا السفر فلن ترفض ذلك.

فنظر إلى يتعجب وقال: مستحيل

- ولمه؟

- قلت لك أنه مستحيل .. لأنني سأذهب بعيدا ولأني أريد أن أبقى وحدي

- أنت تسمي هذا سفر! وإنما هو فرار.

وشعرت بأني ضربته في الصميم لما تلفظت بكلمة الفرار، فقد علا وجهه الاصفرار وتقطبت سحنته وقال لي يتحد: أنت الآخر تعتقد أنه فرار؟ .. قل لي، هل تعي ما تقول؟ هل تعتقد حقا وفي قرارة نفسك أني أريد الفرار؟ قل لي، .. لا لا، ليس هذا فرارا وإنما هو تحرر .. أما أنت فتريد أن تقنعني بالألفاظ كما لو كنت صببا، أنصت، يا محمد سمه فرارا أو انهزاما أو ما شئت، فسأسافر، ولو وحدي.

- على مهلك، يا علي، وأرى أن الحديث معك شاق في هذا الصباح .. والأحسن أن لا نسترسل في مثل هذا الكلام .. وأخيرك أني لم أتناول فطور الصباح بعد، ولهذا فاسمح لي أن احضر عندك فنجان قهوة.

- تفضل.

ودخلت إلى المخزن الصغير الذي بجانب حجرته والذي ستغله كمطبخ وكمكان للنظافة، أوقدت النار في فرن الكحول واشتغلت بتحضير القهوة وتقطيرها، وكنت في تلك الاثناء اسمع عليا يخطو ذهابا وأيابا في الحجرة لايقف ولا يشتغل بشيء معين، انتهيت من طبخ القهوة وعدت بفنجانين مملوئين بقهوة سخينة إلى وسط الحجرة حيث نصبت الطاولة، كان علي سادرا في أفكاره وهواجه، ولهذا، فقد ظل يمشي مشيته الآلية ساهم الوجه مقطب الحاجيين.

وكلما حققت في ملامحه، تبين لي أنه أنه اتخذ قراره بصورة نهائية، مصمما على تنفيذه، إلا أن هنالك عاملا آخر يتعارض مع عزمه لازال يثير في نفسه الحيرة والبلبال يجعله يفكر ويفكر ويذهب ويجيء دون أن يتوصل إلى نتيجة .. ولما أعياني بحركته التي لاتنقطع قلت له محاولا صرفه عن كثرة التفكير: أما تأخذ فنجانك؟.

تناول الفنجان، واحتساه بسرعة، وبدا لي أن أعصابه تضطرب تحت فعل القهوة حيث استأنف سيره بصورة أكثر عجلة .. وأخذ رأسي بعض الدوار، فقلت له: يا علي، إذا كنت عازما على السفر فعليك أن تهيئ حقائبك وامتعتك.

- لا زال عندي متسع من الوقت .. فلن آخذ القطار إلا في الليل.

ثم حدق في بصره وسألني كأنه يستغرب من شيء: قل لي يا محمد، من قال لك أن تأتي اليوم عندي مبكرا؟

- ليس لهذا الأمر سبب خاص، وإنما استيقظت في الصباح الباكر وخرجت استنشق الهواء فقادتني رجلاي عندك.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٧١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٧١٧