دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 75
قصة العدد: الهواء الجديد
للأستاذ: محمد زنيبر
لم أكن اتصور ما ينتظرني هذا الصباح فما فتحت باب الحجرة التي كنت أسكنها حتى لمحت وراءها بطاقة صغيرة مختومة، تناولتها وفضضتها، فلم أر فيها إلا كلمات قليلة بدون أمضاء .. وما كان أشد دهشتي عند ما قرأتها: «أدرك صديقك عليا، أنه في خطر».
حقا، لقد فاجأني بل صدمني النبأ، فما كنت أتوقع أن يأتيني ما يهولني من جهة علي، صديقي الوحيد في الغربة وفي هذا البلد الكبير الذي لا يعرف له أول ولا آخر، فهو شاب رزين ذو أناة وترو لا يندفع في مغامرة إلا إذا تيقن من حسن نهايتها.
ومع ذلك، فمن يدري؟ .. سيما وقد كنت اتوسم فيه من حين لآخر أن له أسرارا يغار عليها ويجتهد في إخفائها حتى على أخلص أصدقائه، وأن له حياة أخرى يعيشها مع نفسه وفي صمت عزلته .. وكنت اتوقع أن تنكشف في يوم من الأيام هذه الاسرار التي منعني قلة فضولي وواجب الصداقة من التنقيب عنها، ولعله هذا اليوم.
ذلك ما كنت اتحدث به في باطني وأنا أتجه صوب الفندق الذي يسكن فيه علي، وشعرت فجأة بأني أمشي بخطوات جادة مسرعة وأن فكري منشغل بل مسلوب بحيث لا أكاد أعي ما حولي في الطريق، وكان من الصعب علي آنذاك أن أعرف هل أنا في تلك الحالة مدفوع بواجب الصداقة أم بغريرة حب الاطلاع والتعلق بغرائب الأحداث.
وصلت إلى الفندق، وبدون أن احيي القيم كالعتاد اندفعت صاعدا في السلم وأنا أتساءل في فزع هل سأجد أمامي ميتا أم جريحا أم مجنونا؟ وما هي إلا أن وقفت أمام الباب ونقرت.
سمعت جوابا من الداخل، وفي الحين انفتح الباب أمامي، ودهشت عندما رأيت عليا سالما طري الوجه نظيفا أنيقا، لا ينبئ مظهره عن شيء، وكأنه شعر بدهشتي عندما ابتدرني: «ما بالك تحملق في وجهي هكذا؟.
فأجبته بكلمات متقطعة لا تنبئ عن معنى ودعاني للجلوس فقعدت، لكنه ظل صامتا واجما ينتظرني أن أبدا الكلام، وطال السكوت حتى صار الجو ثقيلا، وقد كنا عادة عند ما نلتقي ندخل في الحديث الجدي أو المرح دون تصنع أو تردد .. لكننا في هذه الساعة لم نجد سبيلا للاتصال بواسطة الكلام، فكأننا نعيش في عالمين مختلفين متباعدين لا يتصلان .. وشعرت بأن هذا الصمت الثقيل المسترسل أصبح محرجا لنا جميعا فتشاغلت عنه برهة بالنظر إلى الحجرة وإلى الأشياء التي تملأها، ولاحظت أنها في فوضى غير اعتيادية وغير منتظرة من علي الذي أعهده دائما حريصا على نظام حجرته وترصيف أمتعته ترصيفا فنيا رائقا، ولمحت في ركن حقيبتين كبيرتين وأخرى صغيرة غير مقفلة والكل ملآن بالملابس وبما يحتاج إليه في السفر، فالتفت إليه بغتة وسألته: لكأنك تريد السفر؟ فأجابني في شيء من القلق: نعم.
- كيف؟ أنت الرجل الذي لا يحب الانتقال ويرى في الأسفار ضياعا للوقت ومتعة هي دون ما يستحق الرجل الذي يفكر؟
- كما ترى.
وشعر بأنني سألقى عليه أسئلة سألقي عليه أسئلة اخرى، فابتدرني وعلى ملامحه امارات العزم والجد: انصت، يا محمد، أنني ما كنت انتظر زيارتك هذا الصباح، وما كنت أرغب فيها، كان في عزمي أن أسافر دون أن