ما كان إيماءة مختصرة، ويسهب فيما قصدت فيه أن يكون لمحة دالة، فقد تساءلت في (نداء) مستعملا أسلوب الاستفهام في هذه الأبيات:
لم نحيا على اختلاف ونسعى في افتراق كأننا ضدان؟
لم نذكي أجيج نار فنصلاها كأنا من عابدي النيران؟
ولماذا نهيج شوقا إلى الحرب نعاني من نارها ما نعاني؟
لم نبني ونحن نهدم جنات من الفن رائعات البيان؟
وفي نفس هذه المعاني ووراء هذا الأسلوب ينساق التواتي بوعي أو بدون وعي فيقول:
فلماذا أخي تنكسر قلبانا لما وطدت يد الرحمان؟
ولماذا ندوس في قورة الجهل تماثيل حبنا الفينان؟
ولماذا أخي نحطم باليأس دنانا كأننا يائسان؟
وعندما يسمو ويبدع الأخ التواتي مبتعدا عن الاحتذاء والاستيحاء يكفر بالمبادئ والقيم المثلى التي يقدسها الإنسان أي أنه يهدم الجانب الروحي الذي يسمو بالإنسان عن البهيمة فيزعم للناس ولنفسه أنها ألفاظ بلا روح وأنها كلمات جوفاء اصطنعها الإنسان لخداع أخيه الإنسان، أما القوميات والدساتير والقوانين التي وصلت إليها عبقرية الإنسان لحماية المجموعة المتساكنة على هذه الأرض فهي في رأي شاعرنا التواتي وضع عابدي الأوثان ليس غير.
«المبادئ واللون والجنس ألفاظ بلا روح أو بدون معان
والقوميات والدساتير والأعراف من وضع عابدي الأوثان».
لا لا يأخانا التواتي إن أي عربي يعتز بالقومية العربية ويفخر بها لن يسمح لك بحال، ومن أجل بيت من الشعر، أن تجعله من عبدة الطاغوت والأوثان، وإن أصغر رجل من رجالات القانون وواضعي الدساتير لن يرضى له علمه وعقله المتفتح أن يؤله أو يستعبده وثن أعمى، وقد نسلم لك هذا في النزعة إلى الألوان والأجناس، أما المبادئ التي آمن بها الإنسان والقوميات التي احتكم إليها فهي ليست من وضع عابدي الأوثان وساكني الغاب والأدغال ... ومن التناقض الغريب أن يتحدث التواتي للمستمعين عن القومية وعناصرها: اللغة والتاريخ والدين على أمواج إذاعة فاس حديث المؤمن بها والمناضل عنها وهو الذي يقول عنها في (قصيدته) إنها خرافة من خرافات الإنسان ومن وضع الهمج وعابدي الأوثان.
لقد حلا للأخ التواتي أن ينظم شعرا يهيب فيه بالإنسانية لتسترجع صوابها ووعيها، فاهتدى آليا إلى البحر الذي نظمت فيه قصيدتي وإلى الروي الذي بنيتها عليه وإلى شكلها ومضمونها، وألهم أخيرا من غير أن يشعر بعض أببياتها، فهل يستطيع الشاعر بعد هذا أن يؤكد أنه لم يقرأ قط قصيدتي (نداء)؟ وهل يستطيع القول بأن ما فعله كان من توارد الخواطر ووقع الحافر على الحافر كما يقول الأقدمون؟
أحسن الظن أن التواتي احتال لفتح شهيته للنظم فقرأ (نداء) وقرأ غيرها ثم انخرط في صوغ خواطره وأفكاره ولما يتخلص من آثار ما قرأه فانعكست على شعره ظلال وانطباعات لم يتفطن إلى أنها طارئة عليه وغريبة عنه، ومن أجل هذا المعنى لم يجز خلف الأحمر لتلميذه أبى نواس بعد أن حفظ آلاف الأبيات لغيره من الشعراء أن يبدأ هو في النظم إلا بعد أن ينسى كل ما حفظه، أي بعد أن يتخلص من شخصيات الشعراء الذين حفظ لهم وتقمص شاعريتهم، فإذا نظم بعد هذا كان واضح الشخصية مستقل الشاعرية، وقديما الحى الناس باللائمة على أبي تمام لأنه اغتصب بيتا كاملا لشاعر مدح معبدا صاحب الغناء بقوله:
أجاد طويس والشريحي بعده *** وما قصبات السبق إلا لمعبد
أخذه أبو تمام فقال:
محاسن أصناف المغنين جمة *** وما قصبات السبق إلا لمعبد
وعاتبوا أبا نواس لنفس السبب قال معبد:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم *** فما أصابهم إلا بما شاءوا
أخذه أبو نواس فقال:
دارت على فتية ذل الزمان لهم *** فما يصيبهم إلا بما شاءوا