تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهمية تذكر؟ هل حاولنا تطبقها تطبيقا صالحا؟ هل استثمرناها الاستثمار النافع؟ أم نبذناها وراءنا ظهريا معرضين عنها حتى عفت معالمها، مع أنها الدواء الذي يأتي على جميع الأدواء، أو ليست الثقافة التي نحتاج إليها احتياج النبات الذابل إلى الغيث المنهمر. أن ثقافتنا التي أهملناها كانت ولا تزال الباعث لكثير من مدنيات الأمم، من مرقدها، وبها وصلت أن كانت وصلت إلى شيء، ولا تزال إلى اليوم مأخذا واصلا صحيحا من الأصول المعول عليها في بناء الحضارة، عند من يقدرها حق قدرها ويعرف كيف يقتطف من ثمارها الدانية، فمالنا لا نمد أيدينا إلى استغلالها والانتفاع بها وجعلها أسسا ثابتة لبناء الثقافة التي نحتاج إليها؟ تلك الثقافة التي تمن لنا سعادة دائمة تفوق مل سعادة في العالم.

وليت شعري كيف أبحنا في دركة من الجهل بالتعليم ومواده وطرقه إلى حد أننا لا نحسن شيئا من الاختيار، ولا كيفية العمل والتطبيق، مع وفرة المواد وغزارة المنبع، ولكن البناء الذي يجهل البناء لا تغني عنه الأدوات والمواد شيئا، بل لا تزيده إلا هما، وأن أمة تملك الثقافة الإسلامية التي على رأسها القرآن، ثم تدعي الفقر والحاجة إلى الثقافة، لهي أمة يرثى لها، ويجدر بها أن تبكي على عقلها وفهمها السقيم الذي أصبحت معه لا تميز بين الصالح والطالح، ولا تعرف ما تحتاج إليه، وما يتفق مع حياتها ونفسياتها، بل اقتنعت بأن تكون عالة على الغير كالعجلة الخلفية، في أكثر شئون حياتها، تسير ولا تسير، وتستغل ولا تستغل، كاليتيم الغني المضروب على يده المغلوب على أمره يتمتع الغير بماله وثروته، ولا يناله منها إلا الفتات، والفضل، فها نحن أولاء نملك ثروة طائلة من الثقافة والتعاليم الحكمية والروحية التي تهز الجماد، فلم تغن عنا شيئا لأنها مقبورة في بطون الكتب والدفاتر تنتظر من يثيرها من الأجانب الباحثين، وينفض عنها الغبار ويبررها للنابهين من أبناء جنسه، فلا نزيد على أن نطلق العنان لألسنتنا بمدحه والثناء عليه مكبرين فعله وهمته، دون أن يحرك ذلك شيئا من شعورنا فنتدارك خطيئتنا ونفعل كما فعل فيما بقي من المدخر، وإذا تجرأ أحد منا على ذلك أو حاوله، سلقناه بالسنة حداد ورميناه بكل سقم وعقم، وانفتحت لنا عيون لاستخراج عيوبه وتثبيط همته حتى لا يعود إلى مثل ذلك، ولا يجرأ غيره على مثل فعله، كل ذلك يغضا وحسدا لبعضنا البعض، فأني يحق لنا أن نلهج بالتقدم والرقي مع مخالفة نهجهما الذي هو الخلق القويم والتنزه عن الدنايا والأدران الخلقية؟

وها هو التعليم الذي هو أكبر وسيلة فعالة للنهوض بالأمم ورفع مستواها والسير بها نحو كل فضيلة، لا يزال عندنا سقيما لا يمكن أن يؤدي الفائدة المطلوبة من إيقاظ الأمة المغربية، والنهوض بها في أقرب أجل ممكن، لأن تعليمنا إنما هو شكليات جوفاء، واسم بلا مسمى وجسم بلا روح، ونظمه ومناهجه تعتمد على أقيسة وتراجم غير واقعية بالنسبة إلينا، ولا تلائم روح الشعب المغربي، ولا تفي بحاجته كما لا تتمشى مع نفسيته وخصائصه ومقوماته، إذ الشعب المغربي له طبيعته ومواهبه الفطرية، وثقافته المكتسبة، فهو كما يدل عليه تاريخه شعب ماجد شجاع، تواق دائما إلى القوة والعظمة والفخر، وهو مع ذلك شعب مسلم ما زال يعتز بإسلاميته، أحب الإسلام ورضيه دينا منذ القرون الطوال، فروثه كابرا عن كابر، وخلفا عن سلف وتثقف بثقافته التي خالطت منه الدم واللحم والمخ إلى أن أصبحت جزء لا ينفك عن فطرته وطبيعته، وناضل عن دينه مئات السنين نضالا مدهشا لم يعرف فيه كللا ولا مللا، فهو يطلب التقدم والاندفاع بانيا على أسس ثقافته السالفة ومجده التليد، وأصلا بين حلقات سلسلة جهاده سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، دون أن يحيد عن فطرته وخصائصه المطبوعة بطابعها له كيانه ومميزاته، وينمي فيه الغرائز الجميلة التي عرفه بها التاريخ، فيحتاج مثلا إلى ثقافة تحيي فيه الثقة بنفسه، وتعرفه بمزاياه وتذكي في نفسه التضحية، والجلد والصبر، وتحفظ عليه اسلاميته المثالية بعد تطهيرها من البدع والخرافات التي تتنافى مع تعاليم القرآن والسنة الصحيحة، وتزيد في عبقريته وتهديه إلى الفضيلة والسعادة العامة، وهذا يحتاج إلى تنظيم التعليم تنظيما محكما، ثم تعميمه وإقامته على أسس ثابتة تهدف إلى غايات ونتائج معينة تدريجية، لا كالتعليم الموجود الذي تنخره الفوضى ويهدده الاضطراب فيظهر كل يوم في شكل، ويتلون تلون الحرباء، وما بني اليوم يهدم غدا، والمرحلة التي نقطعها في هذا العام قد نعود إليها في العام التالي، بدون غاية ولا هدف نرمي إليه، سوى الصور والأشكال، ولم يكن هذا شان التعليم والتثقيف في أي أمة من الأمم أو بلد من البلدان، بل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦١٢