تلك هي الثقافة التي نحتاج إليها، ودائما ندعو إليها، ونؤمن إيمانا لا يخامره الشك بأنها طريق النجاة، والدواء الناجع لكل الأمراض التي تكابد عناءها الإنسانية، ومثل تلك الثقافة التي نتمنى أن تكون هدفنا في عموم التعليم، وفي جميع أدواره وأطواره، نعم، هي الثقافة التي نعتقد بحق أنها تعصم أتمنا وسائر المم من الانهيار والفناء، على أنها سلم الرقي وطريق التقدم المستنير، وهي وحدها فقط التي تكفل لنا حياة الفضيلة والعزة والكرامة -لا تلكم الثقافة الزائفة التي يدعو إليها البعض، ثقافة الانحلال والخلاعة والتهتك والبهيمة، وإطاعة الشهوات، والانصياع مع الهوى والغواية، والاندفاع مع تيار العاطفة التي لا تتقيد بإرادة، ولا يكفكف من جماحها عزم، وليس لها هدف سوى إرضاء رغبات النفس الأمارة بالسوء، والتي تميل بالإنسان دائما نحو الويل والشر المستطير. زلا يرضى بها إلا أصحاب الأغراض المفسدون ممن وصفوا بقوله تعالى: «ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما». وإن هذه الثقافة تنزل بالإنسانية إلى الدرك الأسفل، وتجردها من معنويتها وتطفئ نورها، وتطمس معالم جمالها، وتذهب بجميع خصائص النفس البشرية، وتجعل منها حيوانا مفترسا فتاكا رائده الهوى، وغايته إرضاء غريزته الوحشية، متجردا من الرحمة، وقوة الإرادة والصبر والعدالة، وسائر الصفات التي تعد قواما للبشرية الراقية.
وإن كثيرا من الناس يرون أن الثقافة هي معرفة القراءة والكتابة، والإلمام ببعض المسائل والفنون العلمية أو التفوق في بعض المهن والصنائع فحسب، وليس ذلك من رأيي، بل أعتقد يقينا أن الثقافة فوق ذلك وأبعد، وليس للبشر غنى عنها لأنها الفضيلة، وتحلية النفس بأنواع الكمالات المعنوية والأخلاق العالية التي ظلت وستبقى هدفا وميدانا لتسابق الفلاسفة والعلماء، وعظماء العالم وعقلائه، طيلة أزمنة التاريخ، بل هي التي يطالب الله بها عباده، وأرسل بها رسله وأنبياءه إلى كافة الأمم في المعمورة، في مختلف الأعصار والأمصار، والتي تعلو بالإنسان إلى نهاية مقياس الكمال من قوة الإرادة وصدق العزيمة، والثقة بالنفس والشجاعة والصدق، وحب الخير والإصلاح العام، وجلب النفع لجميع الخلق، لأنهم عيال الله، ثم دفع الضر عنهم، ونصب ميزان المساواة بين بني الإنسان، مع الرحمة والعدالة، وما إلى ذلك من الصفات والأخلاق الفاضلة التي ظلت ولا تزال نبراسا لرقي الإنسان وعنوان مجده وسعادته وفخره، بل سبب وجوده وبقائه، وبالفضائل تفاضلت أنواعه، وتميزت جماعاته وأفراده، وإليها يرمي كل تعليم، وهي هدف كل ثقافة صالحة منذ القدم، إذن فالثقافة والتعليم الذي نحتاج إليه هو ما يؤدي إلى الفضيلة التي هي عماد سعادة الإنسان، وسلم رقية إلى أقصى حد من العبقرية والكمال البشري، والتي كانت الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان، وسائر العوالم التي دونه، والتي لولاها لما كان شيئا يذكر، ومن أجلها أكرم وفضل على كثير من الخلق، واستخلف في الأرض، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض. فهي سر عزه وبقائه، وضمان سعادته، تلكم هي الثقافة وتلكم غايتها التي طالا تنافس العقلاء في نيل فصب السبق فيها، وكل ثقافة لا تهدف إلى ذلك لهي ثقافة عمياء صماء جوفاء، مصيرها الضلال البعيد والخسران المبين، وغايتها، الهدم والتخريب، ثم الاضمحلال والفناء والذل والصغار، الشيء الذي يأباه الطبع السليم، ويتجافاه العقل.
إذن فنحن في حاجة إلى ثقافة تنتشل مجتمعاتنا من كل إدران الفساد، وسوء التدبير وضعف التفكير، وتذكير فبنا الوعي الصادق، وترفع مستوانا إلى أعلى درجات الكمال، كي نأخذ مكانتنا السامية أمام صفوف الأمم الراقية، لأن الإنسان يعيش لاقتناء الشرف وعلو المنزلة وتخليد الذكر وبناء المجد وغير ذلك من المعاني التي هي غذاء النفس، وقوة أملها، ومبعث رغبتها في الحياة، كما قال الشاعر:
لغير العلى منيالقلا والتجنب *** ولولا العلى ما كنت في العيش أرغب
هذا هو الإنسان، وهذا هو معنى الإنسانية، أما من يظن أن الحياة هي الأكل والشرب والتفنن في اللذات وأنواع الشهوات المادية، فليتأمل فيما تئول إليه ليعرف قدره منها، ومقامه بين أجناس البشر.
هذا ولو شئنا أن نتبع العز ونتمسك بالمعاني السامية، لكان ذلك قريب المنال منا متى صدق عزمنا، وتاقت إليه نفوسنا، وتناولته بالفعل إرادتنا، ونحن نملك من أسبابه ما يغبطنا عليه الغير، نملك القرآن الذي يهدي إلى فوق ما تسمو إليه نفوس البشر من خير وسعادة، ونملك الثقافات الإسلامية على اختلاف أنواعها وتعاليمها، ولكن، هل تفهمناها؟ هل أعرناها