إن الإنسان -الآلة على جد قول سنكلرلويس يحاول أن يضع لمأساته نهاية ويحيل مدنية الخوف إلى مدنية السلام، ولذا فإنه لن يستطيع العيش في برجه العاجي خارج الوجود والزمان، عن الأخذ مرة ثانية لأن وجوده لا يكفي ذاته بل يحمل دائما علامة زمنه، فإن الإنسان الحديث ليس إنسان القرون الوسطى المطمئن البعيد عما يجري حوله، بل الإنسان اليوم ملتحم باشتداد بالعالم الحديث، فليس هناك عزلة فردية لأن العالم أصبح صغيرا، وبتعبير آخر أن الإنسان مدعو إلى الانخراط في العالم انخراطا التزاميا وإلى اتخاذ موقف جدي إزاء معطيات المدنية الحديثة بإضافة قدر من الروح إلى النزعة الآلية، وليس بمنقذه البتة أن يستسلم إلى أحلام -المتنزه الوحيد- حيث الطبيعة الطيبة السمحة والحياة النامية الخصبة، بحيث يخيل إليه أن يجد العزاء في فرح التأمل وغبطة الروح بعيدا عن ضجيج الآلة وجحيم الآخرين، وقسر المجتمع والدولة والطبقة كإنسان روسو الطبيعي الكافر بكل مدنية وثقافة تكونان أصل التفاوت بين البشر، والذي يرى أن كل شيء يكون جميلا عندما يخرج من بين أحضان الطبيعة ولكن كل شيء يفسد عندما تتناوله يد الإنسان، وليس بمنقذه البتة أيضا أن يتخذ الموقف الشوبنهوري فيعتبر العالم إرادة خرساء عمياء تسير بلا هدف ولا ينجم عنها سوى الألم والعذاب والعزاء الوحيد في الفن والاستغراق في النرفانا من أجل تهدئة كفاح الإرادة الذي لا يتوقف أو يتمنى أمنية غاندي في العودة إلى البساطة في الحياة؛ إن الإنسان في قلب المأساة وقد أبحر في خضم الحياة شاء أم أبى، ولابد أن تعيش كل فكرة من أفكاره وكل حركة من حركاته وكل فعل من أفعاله في المدنية وبالمدنية ويكون لهذه الآثار مردود في إغناء المدنية أو إفقارها لأنه هو الحيوان الوحيد الشاعر بذاته وقيمة وجوده.
وبعد فقد لمسنا وضع الإنسان الحديث دون أن نتوغل في دربه الطويل ووضعنا المشكلة دون أن نقدم حلا لها يقينا منا بأن الإنسان العربي المسلم عموما والمغربي خصوصا على أبواب المدنية الحديثة للإسهام في استقرارها ولا عجب فإن الأشياء التي تسرع ليست فقط السيارات والطائرات وإنما نحن كذلك نسرع في سباق رهيب مع الزمان، وليس بوسعنا وسط هذا الاشتداد الحضاري أن نعيش وفق المبدأ الرواقي: احتمل وازهد لتنعم بالسلام الداخلي.