تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس ازدياد فهم الإنسان للطبيعة ولنفسه تدريجا عن طريق نمو الذكاء وتحقيق السعادة في هذا العالم، بل إن معنى التاريخ هو تحويل قيم الناس عن مثل الأهداف الدنيوية إلى قيم عليا صادرة عن الدين، وعلى الإنسان الحديث أن يجد الحقائق المطلقة التي يؤمن أن بها خلاصه.

فإذا كانت المدنية الحديثة من صنع الإنسان وإبداع فكره فقد فرضت عليه أنماطا من السلوك في الحياة، فالتربية والسياسة والتقنية تصنع اليوم النموذج الإنساني الذي يمثلها، والتكنولوجية باعتبارها العنصر المحرك في المدنية الحديثة تؤثر في كل شيء -من حجم المدنية ومنظرها إلى سكانها وكثافتهم وتقسيم عملهم وطبقاتهم الاجتماعية ومستوياتهم الثقافية والجمالية والخلقية وفي نتائج هذا التدخل التكنولوجي تراخي العلاقات الاجتماعية في الأسرة والكنيسة والمعمل رغم الزيادة في أوقات الفراغ وارتفاع معدل طول الحياة، وقد يقال أن التقنية لم تخلق أية أزمة للإنسان بل الأزمة في الإنسانية نفسها، لأن الآلة حررت الإنسان من عبودية العمل ومنحته أوقات الفراغ لإنماء ثقافته، ووفرت له الإمكانيات لإغناء روحه ولكن كل هذا لا يعطي الجواب الشافي على هذا السؤال: ما هو مستقبل المدنية الحديثة؟ ولا يلغي كذلك عبث تلك الإمكانيات، بل إن التقنية والعلم قد جعلا الإنسان ذاته موضوعا شيئيا ودفعاه إلى العيش في حالة أزمة مستمرة وعلى حد تعبير جورج غوسدورف G Gusbort أن الإنسان الحديث بدون حقيقة يفرض على نفسه الرضا بهذا العالم (إذ ينبغي له أن يضحك ووجهه ملتصق بالأرض).

إن العلم ذاته هذا الوثن الجديد صلب المدنية الحديثة يتقدم تقدما حثيثا دون أن يعلم إلى أين يذهب، ولذا فإنه يتحمل مسؤولية أخلاقية خطيرة عبر العالم الكبير اينتشاين بقوله قبيل وفاته 1955: (إذا استعملت القنبلة الهيدروجنية بكثرة، علينا أن نتوقع فناء سريعا لفريق من بني الإنسان وأمراضا معذبة ثم موتا بطيئا لجميع الكائنات الحية) وأكد هذا القول موقف ابنهايمر، وارنطوفيرمي، وهارولد يوري، وجان روستاند، بل عن كل إنسان أصبح اليوم يشعر أنه متهم أمام نتائج العلم المكتسبة .. إلا نذكر هنا قصة ذلك الجندي الأمريكي الذي ألقى قنبلة هيروشيما فأحس هول فعلته وبشاعتها وأصابه انهيار عصبي، أن مبدأ هنري بوانكاري: العلم للعلم غدا أجوف أمام فشل العلم عن اعتبار الكم دون الكيف وتشويه المعاني الجمالية باعتبارات علمية، إذ أقام في القمر الجميل ملهم الشاعر خريطة جغرافية وأحال لون الأصيل إلى موجات كهرطيسية، وإن الثقة التي وضعها ريتان في (مستقبل العلم) بكونه يستطيع حل جميع مشاكل الحياة الإنسانية ويمنح السعادة التي تدعي المذاهب الأخلاقية والروحية تقديمها، تلك الثقة كانت حلما طوبائيا فوق استطاعة العلم نفسه، فلم يفشل العلم في حل مشاكل الإنسان وحسب، بل أساء فهمه كذلك، فإنسان البيولوجيا يبدو كمجموعة عضوية خاضعة لنظام دقيق تفرضه أجهزة الجسم المعقدة، وإنسان دارون نسخة من قرد متطور، وإنسان علم الاجتماع من صنع المجتمع والفرد المتوحد هو تجريد وحسب، وإنسان علم النفس معرض للعقد النفسية والأمراض العقلية بل هو مريض فعلا ومرضه كما يرى شواب: كبت الأفكار والآراء الذي يسبب ارتفاع الضغط: مرض المدنية الحديثة، وهذا الإنسان إما إنسان جنسي لدى فرويد أو قطعة من الفيزيولوجيا لدى وطس .. جملة أفعال منعكسة وشرطية مجردة من الإرادة والأفعال والعاطفة والتفكير، وإنسان المؤرخ هو ملتقى التأثيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والفنية لمدنية ما وتجربة شخصية تحمل أنماط وقيم عصر من العصور، وهكذا فإن العلم جعل من الإنسان الحديث أجزاء مجربا عليها في (مخبره).

وبعد: فإن الإنسان الحديث ما فتئ في مفترق الطرق يقف وسط مأساته العتيقة، المأساة المجسدة في الفن والفلسفة، فالتصوير المعاصر إذ يقدم أشكالا وألوانا وخطوطا ورموزا عصية على الفهم يحمل في ذات الوقت معنى عميقا من معاني مأساة هذا العصر، والفنان المعاصر يسقط قلقه الفردي على آثاره وينشئ عالما بعيدا عن الواقع الأليم .. واقع المأساة، والوجودية كفلسفة تبرز ملامح المأساة من خلال علاقة الفرد بالآخرين الذين يهددون وجوده وهو يحاول أن يحرر وجوده بمقاومة الآخرين ويتمسك به قبل أن يفلت منه فالإنسان الوجودي غريب في هذا العالم دائما يبحث عن معنى الحياة باتخاذ موقف محدد من نفسه ومن الآخرين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٠٨