صلة الاقارب بعضهم ببعض:
وعلى نحو ما سبق في صلة الفرد بنفسه، وصلته بمجتمعه العام، وصلته بأحد طرفي الزوجية، وصلته بأحد طرفي الابوة والبنوة، يعالج القرءان الكريم صلة الاقارب بعضهم ببعض، وما ابغاه هناك يقصده هنا. والذي ابتغاه هناك: التعادل والتكافؤ، والانسجام وذلك هو الهدف هنا ايضا.
فاقارب الانسان مصدر قوة للانسان ان هم اخلصوا له، لأنهم عندئذ بالنسبة له اكثر من الانسان العادي، هم شركاء له في الدم، وفي الطبائع الموروثة، وفي العادات المالوفة، وفي الميول والاتجاهات هم عصبته عندئذ، وعدته، وقومه بالمعنى الخاص.
ولكن هم انفسهم قد يكونون مصدر ضعف وقلق له، ان هم حقدوا عليه، لان السبب الذي كانوا له قوة، هو بعينه السبب الذي يكونون من أجله مصدر ضعف له.
تلك هي سنة الانسان مع اقربائه، اما ان يقوى بهم، او يضعف بسببهم، والقرآن الكريم افصح عن هذين الجانبين في صلة الانسان باقاربه في الدم والنسب، يقول الله تعالى في بيان الجانب الأول: على لسان موسى عليه السلام مناجيا ربه: "واخي هارون هو افصح مني لسانا، فارسله معي ردى يصدقني، اني اخاف ان يكذبون. قال: سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا، انتما ومن اتبعكما الغالبون"، فطلب موسى اخاه هارون عليهما السلام، من مولاهما جل شأنه ليكون في صحبته وليعينه ويحميه في رسالته.
وقد أجابه المولى سبحانه وتعالى إلى ما طلبه وشد عضده بأخيه وقوى به سلطانه وامره، ووعدهما بعد ذلك بالغلبة والنصر هما ومن يستجيب لدعوتهما. فالقرابة هنا كانت قوة، لأنها بقيت في صون من الانحراف لازمها الاخلاص، ونقاه السريرة، ووحدة الاتجاه.
أما الجانب الآخر فتمثله قصة يوسف عليه السلام مع اخوته: انحرفت علاقة القرابة بينه وبينهم، فحقدوا عليه، وحاولوا ان يكيدوا له في ابشع صور الكيد، وهي العمل على قتله، والتخلص منه لتخلو لهم الحياة مع ابيهم. وينفردوا بصحبته يقول الله تعالى: "لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين، اذ قالوا ليوسف واخوه احب إلى ابينا منا ونحن عصبة، ان أبانا لفي ضلال مبين. اقتلوا يوسف أو اطرحوه ارضا، يخل لكم وجه أبيكم. وتكونوا من بعده قوما صالحين". نعم هم قد ندموا بعد ذلك على ما عقدوا عليه العزم وحاولوا تنفيذه، كما يدل عليه قوله تعالى: " تالله اثرك الله علينا، وان كنا لخاطئين" وقوله: "قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا، انا كنا خاطئين". ولكن مع ذلك موقفهم كاخوة من أخ لهم أول الامر قبل ذلك، يعطي ان الاقارب قد يدفعهم الحقد والانحراف في غلاقة بعضهم ببعض إلى أن يكونوا مصدر ضعف وازعاج وقلق، بدلا من أن يكونوا مصدر قوة، وعون، وجاه.
اذا كانت هذه سنة الانسان في علاقته مع أقاربه وكانت قوته بهم أو ضعفه عن طريقهم، أمرا غير عادي كان من السلامة في توجيه الانسان نحو اقاربه ان تزداد علاقته بهم، كما تقضي طبيعة صلتهم به. وان يكون هناك تعادل وتكافؤ بين اساس هذه الصلة ورعاية شأنها، وهذا التوجيه هو ما يوحي به القرءان الكريم في هذا الجانب .. فالقرءان يعني بهذه الصلة من الجهة النفسية والروحية، ثم من الجهة المادية.
يقول الله تعالى: "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، ان الله بكل شيء عليم". ويقول: "ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل: لا أسألكم عليه أجرا، الا المودة في القربى" ففي هاتين الايتين الكريمتين ابرز القرآن مدى حرصه على أن يعنى الأقارب بعضهم ببعض في صلاتهم. فعبر في الاية الأولى بان كون الارحام والأقارب بعضهم أوللى ببعض في رعاية العلاقات والترابط - أمر مسطور في كتاب الله، ولم تخل عنه رسالة من رسالات السماء، حتى القرءان الكريم. ودلالة هذا التسجيل زيادة الحرص من قبل الله تعالى على ان يعنى الناس بعلاقة القربى عناية شاملة، لا تقل فيها العناية بترضية النفوس والابقاء على صفائها، عن العناية بمساعدة المعوزين، عند القدرة، من الأقوياء مساعدة مادية، تقيهم شر الحقد على الأغنياء فيهم، وشر الذل للحاجة نفسها.