تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن برامج الإصلاح الزراعي والمالي هذه لا تستقطب- في الواقع- كل صور الإصلاح العام الذي يجري بصورية نسبية في جميع شرايين الاقليم الشمالي، فهناك أيضا مجالات واسعة أخرى لتحقيق تطورات إصلاحية جديدة تمتد على مختلف قطاعات الحياة المدنية بهذا الإقليم، وتستهدف العمل على إنماء ثرواته وإمكانياته ومن صور ذلك: مشروع السنوات الخمس الذي يستهدف منه - بصورة خاصة- العمل على تصنيع الإقليم السوري وتوسيع مبادرات النمو الاقتصادي في مختلف ربوعه، الأمر الذي من شأنه أن يساهم- بشكل جدري- في تغيير مستقبل هذا الإقليم ويجعله أكثر استعدادا لقبول مقتضيات الحياة الصناعية الإنتاجية كما تعرفها كثير من الدول المتقدمة في حقول التصنيع وميادين التيكنولوجيا. هذا وقد ساعدت الوحدة- من جانب آخر- على تعزيز المكانة الدولية للحكومة المركزية فكان لها من ذلك سبيل إلى التخلص من كثير من المعضلات السياسية الخارجية الأمر الذي أتاح لأبناء الإقليم الجنوبي القدرة على السير الحثيث في طريق التوسع الصناعي والنمو الاقتصادي العام، وإذا ما وضعنا في الاعتبار مدى الأهمية التي يتشح بها التقدم الصناعي الذي أحرزته مصر في غضون السنوات الأخيرة أمكننا أن نحس بكثير من عناصر الثقة في المستقبل الإنتاجي والتكنولوجي للإقليم حيث ستغدو الصبغة الصناعية لصادراته أوسع نطاقا من الصبغة الزراعية والخامية تلك التي كانت تميز اقتصاده فيما قبل.

على أن الجانب الزراعي من النهوض الاقتصادي في الإقليم الجنوبي لم يبق هو الآخر بعيدا عن التأثير بمظاهر الطفرة الإصلاحية التي ستساعد في الميدان- على زيادة استثمار الموارد الأرضية في الإقليم، وبذلك يصبح من الممكن كثيرا مواجهة المشكلة السكانية التي تحول بينه وبين تدرج أكثر سرعة في ميدان التطور المعيشي المنشود. ومن بوادر التفاؤل أن السنة الأولى من حياة الإقليم في ظل الجمهورية العربية المتحدة كانت نفس السنة التي أمكن فيها لمشروع السد العالي أن يأخذ طريقه إلى المراحل الأولى من إنجازه، ولا محالة أن إقامة هذا السد ستكون- مع مشروع سد الفرات في الإقليم الشمالي- شبكة هائلة للري تتيح ل ج. ع. م. مجالا فسيحا للتوسع الزراعي وانتاج الطاقة مما لا تتوافر امكانياته لكثير من البلدان الأخرى.

على أن أهم من هذا كله ما أمكن لأبناء الإقليمين الموحدين التوفر عليه من المكتسبات الخلقية التي هي زاد كل شعب يتوق إلى الأفضل، فقد غدا يبدو جليا أن روح الثورة البناءة المبدعة تلك التي تعتمل في جسم الجمهورية وتسري في أوصالها، هذه الروح لم تعد غريبة مطلقا عن الجماهير المتحفزة في الشمال والجنوب، والمتأهبة للسير مع قافلة التاريخ ومواكبة سير التطور العالمي الأكبر، أن روحا من الوطنية الايجابية والقومية الواعية الهادفة قد غمرت - بالفعل- وكما تعكسه تطورات الأحداث- مختلف الكتل الشعبية المومنة المتحمسة في الشمال والجنوب، وليس أمام هذه الاشراقة الباهرة من الوعي الجماهيري في الإقليمين إلا أن تنبثق- وقد بدأت تفعل- عن مزيد من آيات الخلق المبدع والتنظيم الدقيق والتخطيط المنهجي، حتى تصبح الجمهورية العربية المتحدة- بمشيئة الله - نموذجا حيا لما يمكن أن تسفر عنه الحركات التقاربية بين الشعوب والمجتمعات الصغيرة من نتائج ايجابية مثمرة.

*

لقد انقضى الآن على ميلاد الجمهورية العربية المتحدة ما ينيف على ثلاث سنوات، وهي فترة جد تافهة بالقياس لأعمار الدول والشعوب، ولكنها- مع ذلك- تشكل مرحلة هامة من حياة الجمهورية في المحيط العالمي والدولي، وتوجد العربية المتحدة الآن وهي في وضع دولي مرموق سيفضي بها- كما نعتقد- إلى أن تصبح القوة السياسية الرئيسية في شرقي الأبيض المتوسط وغربي آسيا، وذلك بالطبع في إطار التعاون العربي العام. وترتكز أهمية الجمهورية المتحدة في هذا المقام على الاعتبارات الآتية:

1) وجودها كأداة عازلة لمختلف التأثيرات الدولية المتناقضة التي تزحف على منطقة الشرق الأوسط حيث يستهدف كل منها تلوينه بألوان اتجاهية معينة. (2) تفردها بزعامة معسكر الحياد الايجابي بالمنطقة. (3) ارتباط سياستها الخارجية بمبدأ القومية العربية.

وقد كان من نتائج هذا كله أن أتاح للجمهورية العربية المتحدة مكانة هامة في القطاع الدولي للحياد الإيجابي وفي عالم الكتلة الإفريقية الاسيوية بما يضمه من بلاد وشعوب باندونغ الكومونلث وغيرها. هذا إلى ما تنعم به من فرص التعاطي الحر الخير مع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٣٥