3 - صورة إجمالية لنظام الحياة في الإسلام: يكون فيها بيان واضح لما في الإسلام من الأسس للعقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات المالية والاجتماعية والسياسية والصلح والسلم والحرب وما إليها، حتى يكون شباننا المثقفون يعرفون دينهم معرفة جيدة ولا يعملوا في شعبة من شعب الحياة ينخرطون بها بعد فراغهم من التعليم إلا محافظين على روح الإسلام ومبادئه وأحكامه.
أما المنهاج الخاص الذي يدرسه طلبة كل مادة من المواد الدراسة على ضوء التصورات الإسلامية مع مالها من ورائها من السياق التاريخي، فيكون خاصا بطلبة تلك المادة، فالطلبة الذين يدرسون الفلسفة مثلا، فإنهم يدرسون الفلسفة الإسلامية مع النظم الفلسفية الأخرى، ولكن مما يجب ملاحظته بصفة خاصة في هذا الصدد، أن ليس المراد بالفلسفة الإسلامية تلك الفلسفة التي أخذها الفلاسفة المسلمون من أرسطو وأفلاطون وفلاطينوس ومن لف لفهم من الفلاسفة اليونان ثم على ترقيتهم على نفس ما كان لها من الخطوط، كما أن ليس المراد بها علم الكلام الذي رتبها المتكلمون المسلمون على تأثر منهم بمنطق اليونان وفلسفتهم لغرض أن يبنوا الحقائق الإسلامية بلغة المنطق على ضوء الأفكار والنظريات الفلسفية السائدة في زمانهم. لاشك أن كل من هاتين المادتين - الفلسفة وعلم الكلام اللتين عنى بهما الفلاسفة والمتكلمون المسلمون في الماضي - قيمتها وقدرها من الناحية التاريخية، ولا باس بتدريسها اليوم، ولكن على اعتبار أنها باب من أهم أبواب الفلسفة ما زال الكتاب في الغرب يقطعون عنها النظر عامة ليوهموا الطلاب أن كل ما تم من العمل في حقل العلوم العقلية منذ الفلاسفة اليونان القدماء إلى يومنا هذا، إنما تم على أيدي أهل أوربا، ولكن ما كان عمل الفلاسفة والمتكلمين المسلمين هذا «بفلسفة إسلامية» ولا ينبغي أن ندرسها لطلبة اليوم في كلياتنا بهذا الاسم، وإلا فإن ذلك سيسبب أغلوطة فاحشة بل ضلالة مبينة في أذهان الطلبة.
أما الفلسفة الإسلامية، فهي في حقيقة الأمر غير موجودة اليوم على صورة مرتبة، والحاجة ماسة إلى أن نعني بترتيبها من جديد باقتباس أسسها من القرآن الكريم. فالقرآن يبين لنا في جانب ما للعمل والعقل الإنساني من حدود، وفي الجانب الآخر يرشدنا إلى الطريق الصحيح للبحث عن الحقيقة المستترة وراء المحسوسات، وفي الجانب الثالث يوضح لنا طريقا للاستدلال غير معقد موافقا للعقل الإنساني العام تاركا طريق المنطق الناقص للاستدلال، ومع كل هذا فإنه يقدم لنا نظرية متكاملة للكون والإنسان فيها جواب عن كل ما يتولد في الذهن الإنساني من الأسئلة حول الكون ومنزلة الإنسان فيه. من الممكن أن أرتب على هذه الأسس الموجودة في القرآن فنا جديدا للاستدلال وطريقا جديدا للتفلسف وفلسفة جديدة لما بعد الطبيعة، وفلسفة جديدة للأخلاق وطريقا جديا لعلم النفس. فالحاجة شديدة إلى أن ترتب الفلسفة الإسلامية الخالصة على هذه الأسس حتى لا يبقى طلبة الفلسفة عندنا تائهين في معامي الفلسفة القديمة والجديدة، بل يجدوا سبيلا إلى الخروج منها ويتأهلوا لان يقدموا للدنيا نورا جديدا يرشدهم إلى طريق الأمن والطمأنينة والنجاة والسلام.
وعلى غرار هذا فإن الطلبة الذين يدرسون التاريخ، سوف يدرسون تاريخ الإسلام مع دراستهم لتاريخ مختلف بلاد العالم، ويعرفون بما للإسلام من الفلسفة للتاريخ مع دراستهم للنظريات الأخرى لفلسفة التاريخ. وهاتان المادتان - التاريخ الإسلامي وفلسفة الإسلام للتاريخ - أيضا تحتاجان إلى الشرح والبيان، وإلا فإني أخاف أن لا يتضح لكم ما أقصده بهما لما يوجد اليوم حولهما من الأغلوطات والمفاهيم الخاطئة. أما التاريخ الإسلامي، فيعبر به عامة من تاريخ ملوك المسلمين أو شعوبهم المختلفة أو عن تاريخ حضارتهم وعلومهم وآدابهم، كما أن الطالب لا يكاد يسمع بفلسفة الإسلام للتاريخ إلا ويلتفت بذهنه إلى فلسفة ابن خلدون للتاريخ. واني لا أنكر ما لهذا التاريخ وهذه الفلسفة للتاريخ من أهمية بالغة بوجهة نظر علم التاريخ ولا أدعو إلى إلغاء تدريسها، وإنما الذي أريد بيانه هنا أن ليس «تاريخ الإسلام» و «تاريخ المسلمين» بشيء واحد، وأنه لا علاقة لفلسفة ابن خلدون بفلسفة الإسلام للتاريخ. وفي الحقيقة أن «التاريخ الإسلامي» إنما هو عبارة عن أن يستعرض لأثرات الإسلام التي ترتبت خلال التاريخ على الأمم الداخلة في الإسلام وعلومها وآدابها وأخلاقها وحضارتها وسياستها وبالجملة على كل شأن من شؤون حياتها، وان ينظر - مع هذا - كيف ظلت تمتزج بهذه الأثرات الإسلامية