تلك المصالح أو المحافظة عليها، وقد تبين أن «الديموقراطية» التي أقيمت أساسا للحكم في مصر، كانت وسيلة طيعة في يد الاستعمار للتلاعب بمصالح الشعب، وطريقة للنهب والاحتيال من طرق خفية من محترفي السياسة، فأحدثوا في الشعب المصري الفرقة، ووسعوا شقة كل خلاف، واستغلوا الحزازات في سبيل كرسي حكم هزيل يجود به المستعمرون على أصحاب الألقاب الفخمة، حتى أنقذ الله البلاد على يد الثورة المباركة التي أرجعت للعرب والمسلمين بعض كرامتهم.
وكان محمد عبده ينعي على أولائك الذين يظنون أن مجرد التقليد لاروبا في مظاهرها وأنظمتها كفيل بترقيتنا وجعلنا في مستواها، دونما نظر في الأسباب والوسائل التي توصل بها الأوربيون إلى الحالة التي هم عليها. أن بداية التقدم الأوربي في الحقيقة كان في نفوس الشعب وأفراد الرعايا، أي أن التقدم لا يكون إلا بتغيير في النفس لا بتغيير في المظهر الخارجي، فالقوانين يجب أن توضع حسب طبيعة كل شعب وتاريخه «فلا يجوز حينئذ وضع قانون طائفة من الناس لطائفة أخرى تباينها في درجة العرفان أو تزيد عليها فيه، لأنه لا يلاءم حالة أفكارها ولا ينطبق على عوائدها وأخلاقها، وإلا اختل نظامها والتبس عليها سبيل الرشد، وحسبت الصحيحة فاسدة والصواب خطأ وحرفت الأوضاع وبدلت وغيرت فيقلب عليها دواء غيرها داء» وكان يتأسف لهؤلاء الذين يحثون المسلمين على تقليد أوربا في أشكالها ومظاهرها، حتى أن بعضهم أمعن في التقليد وغالى في التنافس واشتط في التشبه إلى حد مزر، في حين كان أسلافه يتنافسون في اكتساح البلاد وتملك الحصون وتلقين أصول الحضارة للعالم.
ويضرب مثلا لحالتنا فيقول: «أن مثلنا كمثل الدجاجة رأت الإوزة تبيض بيضا كبيرا فطلبت أن تبيض مثلها فأجهدت نفسها في أن يكون ذلك، غير عارفة أن وقوعه لا يكون إلا باستعداد، أي بأن تكون إوزة فحسبت نفسها واستعملت قوتها الدافعة حتى انشق منها ما انشق وتمزق منها ما تمزق» فهو يرى أن تقليدنا لاروبا يجب أن يكون في الأسباب وفي المناهج التي تقوم عليها المدينة لا أن نكون سوقا نافقة وزبائن مخلصين في الإسراف والتبذير بالنسبة لمنتوجات اوربا وأشيائها، فنغتر بتلك الأشياء ونقيمها مقام المدينة الحقيقية التي تستدعي البناء لا التكديس حسب تعبير أستاذها مالك، أن مدينة أوربا بدأت بتغيير في النفوس فلتكن مدنيتنا كذلك) أما التقليد فان اقل أخطاره يخفي الحقائق ويستر العيوب ويعوق عن التقدم وينفي الشخصية.
ولم يكن رفض محمد عبده للدعوة الديموقراطية كما كان يريدها معارضوه بدافع رجعي أو نفعي تمليه عليه مصالح طبقة من الطبقات أو جهة من الجهات، بل كان صادرا عن تجربة واختيار، أنه كان يرى شعبه ينخر الجهل اوصاله ويفتت الفقر كيانه، ويحمل كثيرا من الأمراض النفسية والعقلية التي أفرغتها في نفسه القرون المظلمة السابقة، فقيام نظام ديموقراطي في شعب متداعي الأخلاق متضارب الإرادة والأهداف لا يغير من الواقع، بل قد يزيد الحالة سوءا، إذ يمكن أصحاب الأطماع من العبث بالحكم وقتل الوقت في المهاترات والسخافات، لأنه لا يعادي النظام الديموقراطي في ذاته ولكنه يحاربه إذا كان في شعب لا يعرف قيمته وليس مستعدا للقيام بدوره ومسؤوليته وللوصول إلى هذا المستوى «لابد من قرون تبث فيها العلوم، وتهذب العقول، وتذلل الشهوات الخصوصية، وتوسع الأفكار الكلية، حتى ينشأ في البلاد ما يسمى بالرأي العام، وبذلك نصل إلى مستوى ديموقراطي سليم كمستوى أمريكا، وعند ذلك نستحق ما تستحق أمريكا» وكان يرى أن الذي يسعى لخير البلاد يجب أن يهتم بغير إتقان التربية والتعليم، فتتبدل بذلك النفوس وتتغير بالتالي الحياة، وبالتدريج والتمرين يصل الشعب إلى حقوقه دونما ثورة أو هياج أو عنف.
وهنا نلاحظ أن محمدا عبده وضع يده على مكمن الداء، حيث رآه في النفس لا في المظهر، ولكن هل يسمح الفساد لمحمد عبده أو لغير محمد عبده أن يضع برنامجا صالحا في التربية والتعليم لتتبدل النفوس وتتغير الحياة؟