تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع بعض أصدقائه دعوته إلى تغيير النظام السياسي الذي كان قائما آنذاك وإنشاء جمهورية مصرية صغيرة. وهو الذي قام بتحرير برنامج الحزب الوطني المصري الذي أسس سنة 1882، ولكنه عدل عن اعتباره المطالبة بتغيير الحكم وسيلة لتغير المجتمع، ولم يعد يؤمن بأن الكلام في المجلس والكتابة في الجرائد يكفيان في إخراج الانجليز، إذ لابد من السير في الجهاد على منهاج الحكمة والدأب على العمل الطويل (ولو لعدة قرون) ولهذا لم يكن من رأيه الثورة على الحكومة، وكان يناهض عرابي ويندد به وبإخوانه وما ذلك إلا لخوفه أن تقضي مثل هذه الحركات الثورية على عمله الإصلاحي الذي ابتدأه بالتعاون مع رياض باشا، كما أن من شأن تلك الثورة أن تقضي على أي إصلاح تقوم به الحكومة أو تنوي القيام به، ولذلك فقد دفع به الحرص على الإصلاح في جو من الهدوء إلى أن يتعاون مع الحكومة وأن ينخرط موظفا محررا في «الوقائع المصرية» كما كان يخاف من أن يتخذ الاستعمار تلك الثورة ذريعة إلى التدخل السافر في شؤون مصر، خصوصا والشعب لم يكن معدا إعدادا كاملا لمواجهة العدوان الخارجي، والثورة من «فوق» معرضة للخطر ما دامت لا ترتكز على وعي شعبي يستندها وتستمد منه الصمود والتحدي والاستمرار في طريق واضح مرسوم، والثورة الواعية- التي كان يمكن لمحمد عبده أن يؤيدها- تكون منبثقة عن رغبات الشعب وإرادته، حاملة في طبيعتها فكرة شاملة للقضاء على أسباب الانحطاط بوسائل الحضارة والنقد، ولكن ثورة عرابي كان يتقصها كثير من عناصر النجاح، وكان ما توقعه محمد عبده، فما كادت تندلع الثورة العرابية حتى وجد الانجليز الفرصة الذهبية للوثوب على الفريسة بصفة شرعية، تلك الفريسة التي كان يهيئ لها أمد طويل، ولم يكن عرابي مدركا حقيقة الخطر، اذ لو كان يعلم ذلك لما أقدم على الثورة بكل سهولة، والغريب أن قنصل فرنسا المسيو أولا كان متصلا بعرابي كما اتصل به مسيو دلييس الأمر الذي يؤكد أن فرنسا كانت ظهيرة لانجلترا في احتلال مصر واقتطاعها من جسم الرجل المريض، ويقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله عن عرابي: وإنما فهم بعد خراب البصرة انه لا ينبغي لأحد أن يثق بفرنسا ولا بأحد من رجالها. والذي نلاحظه هنا هو أن محمد عبده رغم كرهه للثورة ومعاداته لها، فإننا نجده قد شارك فيها، ويعلل احمد أمين ذلك بأن المسائل لا تجري على المنطق وخاصة أيام الثورات. غير أني غير هذا الرأي، فمحمد عبده كان يريد أن تتحرر مصر، وكان يستبعد هذا التحرر عن طريق الثورة أو المطالبة بالمجالس النيابية طفرة، والشعب لا يتمتع بتربية وطنية واعية ولا يسوده رأي عام منبثق عن عناصر نفسية متينة، وكان مع هذا يبغض الاستعمار ويراه معوقا لكل إصلاح، ويخاف منه على كيان المسلمين ويتوقع منه الغدر، فلما وقعت الثورة وانقلبت إلى ثورة عامة، رأي أن الواجب الشرعي يحتم عليه أن لا يقف مكتوف الأيدي إزاء هذه الكارثة، فوقف بجانب الثورة يهاجم الاستعمار وأعوان الاستعمار من الخونة الذين تآمروا على هذا الوطن. ومن هنا نرى أن الدافع له إلى مؤازرة الثورة كان دافعا منطقيا تفسره عقيدة محمد عبده وشعوره بالواجب. كما أن مناوأته للثورة قبل اندلاعها كان منطقيا، فهو لم يكن يعادي الإصلاح المعقول، وإنما يكره الطيش والمغامرات في ظروف دقيقة لا تسمح بقيام ثورة أو حدوث عصيان أو مقاومة، وإنما تقتضي كثيرا من الحكمة والحذر.

وكان محمد عبده صريحا في رأيه في الثورة، فلقد كان جمال الدين وعرابي يريدان الثورة، ومحمد عبده يرى الاهتمام بالتربية والتعليم وبالإصلاح التدريجي وتدريب الأهالي على تحمل مسؤوليات الحكم. وإذا كان محمد عبده يستند إلى فكر عميق يستخلص النتائج ويستبطن الأمور ويعي الظروف حق الوعي، فان عرابي كان يستند على الخيال وعلى وعود سلطان باشا الذي كان محركا من لدن الاستعمار ليقوم بدور الثائر المورط، ولكن ماذا يفعل محمد عبده والأجانب قد هاجموا البلد، وأصبحت الحرب بين المسلمين والكفار؟ إذن فليقف بجانب أولئك الذين عارضهم بالأمس، وليس ذلك اقتناعا بمبدئهم ولا اختلالا في منطقه نظيرا للحركة الفجائية الثورية ومهاجمة العدو ولكن إيمانا بوجوب الدفاع عن المسلمين الذين كتب عليهم أن يمشوا هذه الخطى.

قلنا أنه لم يكن من رأي محمد عبده المطالبة بحكومة ديمقراطية نيابية وسيلة للإصلاح أو غاية له، إذ لا بد قبل ذلك من إصلاح ضمائر الأمة وإشاعة الوعي السياسي بين أفراد الشعب حتى يكونوا أهلا لهذه الحكومة الديموقراطية «وإلا كان ذلك كتمكين القاصر من حق التصرف» وكان يعد المطالبة بهذا النوع من الحكم من أخطاء العقلاء، ولا يصح أن يفوض الشعب في أمر مصالحه وهو لا يستطيع أن يدرك كنه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣١٠