تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم توجهني بتوجيهك السديد مخاطبا إياي: ها قد أفاء الله عليك من عوارف أنعامه وأضفي عليك سوابغ قبوله وإكرامه وألف القلوب على حبك وأطلق الألسنة بمدحك والثناء عليك- فاحمد لله الذي شرح للإيمان صدرك ورفع بالأخلاق قدرك ونشر بالتضحية في الخافقين ذكرك

وإياك أن تحيد عن صراط الإسلام القويم أو تتبع غير سبيل المومنين فإنه لا عدة في الشدائد كالإيمان ولا حلية في المحافل كالتقوى واعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدائد ادلهمت الدياجي واشتبهت عليك السبل وليكن لك في رسول الله وصالحي الخلفاء أسوة حسنة أولئك الذين هدى الله بهداهم اقتده. أوصيك بالمغرب بلدك الكريم ووطنك العظيم فكن يا ولدي خير خلف لخير سلف وليكن عملك لوطنك والمحافظة على استقلاله ووحدته أمرا يقتضيه منك شرف المسؤولية وتفرضه عليك تقاليد الأسرة في آن واحد وتذكر أن جدك الحسن الأول كان عرشه على طهر فرسه لكثرة تنقله في البلاد ومشيه في مناكبها متفقدا للرعية سامعا للشكاة مستأصلا لجراثيم البغي والفساد

بكاء الشرق والغرب

أبتاه

من هذه الوصايا الكريمة أيها الوالد الكريم استمددت العون واستلهمت الرشد واستعدت العزم ويشهد الله لأجلها قبلت الأمانة وتحملت المسؤولية على غير تطلع مني ولا انتظار، إن دقيقة بجانبك وأنت حي كانت عندي أسمى من كل عرش وأعظم من كل ملك وأن نفحة من نفحات رضاك التي كنت أنعم بها كانت تكفي لأشعر أني أكثر من ملك متوج ولكن إذا كانت البنوة تفرض طاعة الآباء بتنفيذ أوامره وهم أحياء فهي كذلك تفرض تنفيذ وصاياهم وهم أموات.

فلقد تجندت بسرعة وتحملت بشجاعة الصدمة واعتمدت على الله مستمدا العون منه شاعرا بأن رضاك الدائم وأن روحك الكريمة ترعاني.

أيها الوالد الكريم.

إن مما زاد في ساكنة قلبي وألهمني الجميل شعوري بأن عند مولاك في مقعد صدق النعيم المقيم وأن روحك الطاهر بفضل الله سعيدة وأن العناية الالاهية صاحبتك ميتا كما صاحبتك حيا وأن موتتك لم تكن إلا موتة الأبرار وتبديل قرار زائف بنعم القرار وإيثار لدار البقاء على هذه الدار، ولقد وجدت حسن العزاء وجميل الصبر في تأثر جميع الدول والشعوب لفقدك وفي عزاء جميع قادة العالم في مصابك تساوي في ذلك العرب والعجم والمسلمون واليهود والنصارى فلقد بكاك بصدق الشرق والغرب وفقد فيك العرب قائدا حكيما والمسلمون ملكا صالحا وأبا رحيما وفقدت إفريقيا في شخصك محررا مثاليا مقدما متزنا صبورا.

إنك لم تكن ملكا كالملوك، إنك لم تكن تحمي العرش بالشعب وتستغل المواطنين والوطن من أجل السلطان بل كنت الشعب لعرشك وتناضل عن الوطن بنفسك وكنت لا تسأل الراحة والمتعة لشخصك ولا تسعى في المصالح الرخيصة لأفذاذ كبدك والمقربين من أسرتك أنما كان شعرك الدائم هو شعار جدك يوم الموقف العظيم: اللهم لا أسألك نفسي ولا فاطمة ابنتي وإنما أسألك أمتي أمتي أمتي.

فلئن امتاز طغاة الحكام بتجنيد المستضعفين لحماية مصالحهم وتحقيق مطامعهم فلقد امتزت أنت وسموت أنت قدمت عرشك وأسرتك ونفسك للدفاع عن هذا الوطن-فكان الشعب يتسابق لفدائك وكنت تسابقه للدفاع عن حوزته وحماية مكاسبه بهذا التسابق للفداء والتضحية حصل ذلك التجاوب العظيم بينك وبين هذا الشعب فتحققت المعجزات التي أثارت إعجاب العالم وتعددت المنجزات التي عرف بها عهدك العظيم وظلت مقرونة باسمك الكريم.

ثمرات غرسك

أبتاه

إن عزاءنا الوحيد إيماننا بأنك لست غائبا عنا فأنت حاضر في كل مؤسسة ومنظمة يقترن اسمك بملحمة الحرية والاستقلال وتاريخ الجهاد والنضال، أنت حي حاضر في المساجد التي شيدتها وفي الجامعات التي أسستها وفي المؤسسات التمثيلية التي كونتها وأنت حاضر في قلوب اليتامى في المبرات وحاضر في القلوب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٨١