تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

احدى الدول الحليفة فإنها ما كانت لتستطيع أن تصبح شيئا بعد أن داست عليها سنابك الفرماخت لولا أن أمدها المغاربة وأشقاؤهم الجزائريون بقوة من الرجال والمؤن، فالشعب المغربي إذن ليس بأقل من فرنسا إن لم يكن أكثر حظا في مظاهرة قضية الحلفاء ومناهضة أعداء الحرية والديمقراطية، واجتمع الشعب المغربي حول أقطابه الذين وضعوا عريضة الاستقلال الشهيرة وتهيأ لمحمد الخامس المحيط الذي كان ينتظره فأعلن مساندته للعريضة ومضى مع شعبه في الطريق التي اختارها ومرة أخرى تنمرت فرنسا وهي ما تزال كيانا ملفقا من أشلاء وقابلت الشعب وهي ما تزال كيانا ملفقا من أشلاء وقابلت الشعب المغربي الذي أسال من أجلها دماءه بالقوة العارمة وكان محمد الخامس يستطيع أن يستنجد روزفلت وعدا ما من شك في أنه قطعه على نفسه ولو فعل لكان روزفلت في موقف يتيح له أن يبر بوعده فالجنرال ايزنهاور هو القائد الأعلى يومئذ لقوات الحلفاء قاطبة في شمال افريقيا ولكن محمدا الخامس كان يكره أن يستعين على فرنسا بغير شعبه كان يرفض أن يقبل الاستقلال الممنوح ولذلك جنح إلى المفاوضة.

ويلوح أن حكومة الجمهورية الفرنسية المؤقتة التي كانت يومئذ مستقرة في الجزائر شعرت بأنها لا تستطيع أن تتحدى صبر ملك المغرب إلى مالا نهاية له فجنحت إلى المسالمة وبذلت الوعود واستطاع محمد الخامس أن يميل بشعبه إلى التربص والانتظار فالشعب المغربي مهما تأججت مشاعره أعظم ثقة بعاهله وزعيمه منه بتقديراته ومداركه هو.

وفيما كان محمد الخامس يطاول الفرنسيين ويداورهم كان ماضيا في النهج الرئيسي لسياسته الذي رسمه منه أول يوم اضطلع فيه بأعباء الملك وتبعاته كان ماضيا في تثقيف أبنائه وبناته وكان صاحب السمو الملكي الأمير الحسن قد قطع مرحلة الدراسة الابتدائية بتفوق ظاهر وكان الفرنسيون وبعض بوقاتهم قد أخذوا يحاولون اقناع الملك والده بأن مقتضيات التطور الحديث تقضي بأن يبعث بابنه البكر إلى بعض المعاهد في أوربا ليستكمل دراسته الثانوية على أحدث أسلوب ولكن محمدا الخامس كان يريد أن يعد من هذا الفتى الدارج إلى الحداثة وليا لعهده ولعهد المغرب ولكي يجعله مؤهلا لهذه المسؤوليات ينبغي أن يوفر له أسباب الاتصال بأمته في ماضيها وحاضرها وهو ما يزال فطري النفس طري القريحة مستعدا لأن يتأثر تأثرا عميقا بالمحيط الذي يعيش فيه لذلك أصم أذنيه عن نصح أولئك الناصحين وأنشأ للأمير الحسن ولإخوته مدرسة ثانوية داخل القصر الملكي جلب إليها الصفوة من الأساتذة المغاربة والفرنسيين.

وتمضي الأيام وتقتضي خطة محمد الخامس أن يستحث الفرنسيين ودول العالم قاطبة وخاصة تلك التي وقعت على معاهدة الجزيرة إلى العمل من أجل تطوير الوضع السياسي والدولي للمغرب ويبتغي لهذا الهدف وسيلة بارعة اذ يقرر أن يكون أول ملك يزول طنجة التي كانت دولية يومئذ منذ فرضت الحماية والتجزئة على الوطن المغربي وتصعق الدوائر الاستعمارية الفرنسية وتحاول أن تضطر المقيم العام الفرنسي إلى تعويق الإرادة الملكية ولكن سياسة المقيم الفرنسي كانت يومئذ سائرة على نسق مرن قاصد إلى التفاهم والوفاق فيرجعون إلى أنفسهم ويدبرون مؤامرة حوادث الدار البيضاء الشهيرة ليستفزوا محمدا الخامس والشعب المغربي، غير أن فالهم يخيب لأن الملك الشاب كان أسد رأيا وأبعد نظرا وأمضى عزيمة من أن تنال منه مؤامرتهم لذلك اغضى عن كل ما حدث ومضى في تنفيذ خطته.

وفي طنجة صدم المستعمرين بثلاث صدمات فأعلن وحدة المغرب وضرورة تغيير الأوضاع عندئذ فيه وعروبته وقدم إلى الشعب ولي عهده خطيبا فصيحا ثم قدم إليه وإلى العالم ابنته الكبرى خطيبة فصيحة ثائرة على التقاليد داعية المرأة المغربية إلى القضاء على تلك التقاليد التي جعلت نصف الشعب المغربي لعدة قرون شبه مشلول.

ثم عاد من طنجة ومضى قدما في سياسته الأساسية: بناء الأمة قبل بناء الدولة، فراح يشجع بناء المدارس الحرة، ويتولى بنفسه أحيانا وبواسطة ولي عهده أحيانا أخرى الإشراف على تدشينها كما يسهم في نفقاتها بمبالغ قيمة على حين مضى ولي عهده وابنته الكبرى الأميرة عائشة في قيادة شباب المغرب وفتياته في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية.

وأحست الدوائر الاستعمارية بالخطر من هذه الزعامة التي أقامها الملك الشاب للشعب المغربي وأخذ يمارسها بنفسه وبواسطة ابنه وابنته فزعزع مقعد الإقامة العامة الفرنسية من تحت (ايريك لابون) المقيم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٣١