تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأكبر الظن أن محمدا الخامس لم يبتئس لما حدث ولعله قد رحب في نفسه كثيرا بإقدام أولئك المجرمين على جريمتهم فيما كان يرقب أثرها في الأمة، على أنه قد أخذ منها العبرة الأولى اذ حزم أمره على سياسة أخذ يسلكها تدريجيا منتهجا لها كل فرصة مواتية ليتطور بها ويزيد معالمها ابرازا وتبيينا فعني بادئ الأمر بطفله الصغير الحسن يتعهده منذ نعومة أظفاره بالتثقيف ويجلب له الصفوة المختارة من الأساتذة يلقنونه الخالد من مأثور ثقافة العرب وحضارتهم والطريف مما استحدثته الحضارة الغربية من ألوان الثقافة والمعرفة وكان سببا في نهضة أوربا وما تهيأ لها من ألوان العزة والسيطرة والرخاء.

على حين مضى الانبعاث الشعبي في تطوره آخذا بطريقه الطبيعية حتى إذا كانت الحرب العالمية الثانية وقد تبلورت مفاهيم الانبعاث الوطني في الشعب تبلورا ظهر في تعدد هيآته الوطنية لتعدد آراء تلك الهيآت في أقوم الأساليب وأقربها لتحقيق الهدف المنشود، عندئذ أخذ محمد الخامس يظهر شيئا فشيئا وبصورة علنية في الميدان العام.

كان الحرب قد بلبلت الأذهان فمالت بمشاعر الجماهير إلى مظاهرة دول المحور شماتة بفرنسا وحقدا على الدول التي حالفتها ولكن محمدا الخامس كان يقيس الأحداث ويرصد تطوراتها بمقياس الرجل المسؤول الحصيف الذي يدرك أن الفرصة لما تسنح للمضي في مغارمة فرص الفشل فيها أرجح من حظوظ النجاح، وكان فضلا عن ذلك يدرك أنه ما من أمل يمكن أن يتحقق للشعوب المستضعفة على أيدي أنظمة قامت على الدكتاتورية والحكم الفردي فقد كان بحكم نشأته وبفطرته الأولى ديموقراطي الطبع لا يؤمن بغير الديموقراطية وسيلة إلى التحرر ولا قسطاسا للعدل ولا سبيلا إلى رخاء الشعب لهذا وذاك كان أول عمل برز به محمد الخامس في المحيط الدولي وفي ميدان التوجيه السياسي الداخلي دعوته الصريحة الحازمة لشعبه إلى الإنصات لمقتضيات الحصافة والاناة والعزوف عن نزوات العاطفة والمشاعر العارضة والوقوف إلى جانب الحلفاء، وان تكن منهم فرنسا لان جانبهم هو معقد آمال الديموقراطية في العالم آنذاك ولأن الوثوب على فرنسا يوم خرت صرعى تحت أقدام هيتلر ليس من الشرف الذي يرتضيه تاريخ المغرب المجيد لأمة ما عرفت في السراء ولا في الضراء مع خصومها أو مع أصدقائها إلا البطولة المكينة والشرف الأصيل.

وكان بين الحلفاء من له بصر نافذ أو من مصلحته أن يكون له بصر نافذ كان منهم فرنكلن روزفلت، وللولايات المتحدة من يوم فرضت الحماية على المغرب رأي خاص في هذا التصرف الشاذ الذي أقدمت عليه فرنسا وإسبانيا ولروزفلت رئيسها إبان الحرب رأي يمكن أن يوصف بأنه حر في الاستعمار عامة وفي الاستعمار الفرنسي خاصة.

وشاءت أوضاع الحرب وظروف السياسة أن يختار أقطاب الحلفاء مدينة الدار البيضاء مركزا لأحد مؤتمراتهم فسنحت الفرصة للرئيس الأمريكي لأن يقدم للمغرب يدا قد تفيد بلاده يوما من الأيام وكان لديه من العلم بمحمد الخامس وما يتصف به من حصافة وذكاء وسداد رأي، ما شجعه على اهتبال هذه الفرصة فدعاه إلى الاجتماع به ولأول مرة منذ فرضت الحماية على المغرب يتاح لملك المغرب أن يجتمع برئيس دولة أجنبية أو بمندوب لها بعيدا عن رقابة المقيم العام الفرنسي أو من يقوم مقامه وتحدث كلا الزعيمين إلى بعضهما بعضا حديثا لا يزال أغلبه مكتوما ونخشى أن يكون صدر محمد الخامس وصدر روزفلت قد انطوى على جانب منه إلى الأبد ولكن فرنسا وجدت في اجتماع الرجلين بعيدا عن رقابتها ما اقض مضجعها وما فتئت يومئذ أشلاء ممزقة تحت أقدام هيتلر وشبحا يحاول أن يصل الماضي بالحاضر فيما يضطر من لندن واليها ممثلا في شخص رئيس فرنسا الحرة يومئذ الجنرال شارل دوكول غير أنها اسرتها في نفسها ولبثت ترصد الفرصة الملائمة بينما بقي محمد الخامس بعد الاجتماع كما كان من قبل يصانع فرنسا ويرفق بها ويستنكف أن يشتد عليها في محنتها وأن يكون عليها بعضا من محنتها.

وأوشكت الحرب أن تنتهي وضاق صدر الأمة عن مزيد من الصبر والانتظار وأخذت تتجمهر هنا وهناك لتعبر عن إرادتها لقد أعلن الحلفاء أنهم انما يحاربون اعزازا للحرية وتمكينا لها وأن الشعوب يجب أن تتعايش على أخوة وإلا تستذلها القوة فماذا يقعد بهم عن أن ينصفوا المغرب من فرنسا؟ لئن كانت فرنسا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٣٠