تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الدلالات تقاطعا عنيفا متضادا في كثير من الأحيان. هنا لا يهتم المصور بالرسم والخط، وإنما يهتم بلطخات الألوان وتعادلها، وبما تحمله من إيحاء، وبما يشتمل عليه من إيقاع وتناسب.

لنأخذ قصيدة مشهورة من قصائد حبيب، وهي التي قالها في موقعة عمورية. ولكنا نجتزئ منها ببعض الأبيات:

السيف أنباء من الكتب *** في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لاسود الصحائف *** متونهن جلاء الشك والريب

والعلم في شهب الرماح لامعة *** بين الخميسين لا في السبعة الشهب

تجد منذ الاستهلال أن التعبير اختلف تماما عما ألفناه عند الشعراء الجاهليين والمخضرمين والذين عاشوا في فجر الإسلام. الألفاظ تحمل أكثر من معانيها، وكل لفظ ليس مستقلا في حد ذاته، وإنما جاء به ما بينه وبين غيره من تناسب وتجانس وتضاد. فالسيف استعمل هنا رمزا إلى القوة والحرب، والكتب وردت رمزا إلى التنجيم. والحد الثاني ومعناه الفصل بين الشيئين إنما أتت به مجانسته للحد الأول حد السيف والحد الأول إنما أتى به جناس التصحيف مع الجد، ولفظ الجد هذا استدعى اللفظ المضاد وهو اللعب.

والبيت الثاني توكيد للبيت الأول بشكل مزخرف متألق خطابي جاء بألفاظه الطباق بين البيض والسود، وتجنيس القلب في الصفائح والصحائف.

والبيت الثالث توكيد جديد للفكرة نفسها، فهو يقول فيه: صحيح العلم في الحرب لا ما استدللتم عليه بالنجوم. ولكنه يختار للدلالة على النجوم لفظ الشهب التي هي أخص منها، ويستعير اللفظ نفسه لأسنة الرماح زخرفة وتزويقا ومجانسة. وهكذا نرى أن ألفاظ هذه الأبيات مختارة اختيارا خاصا يخرجها في كثير من الأحيان عن دلالاتها الدقيقة ليقصد إلى ما بينها من تناسب وتجانس وتضاد، وما تستطيع أن تضفيه من إيحاءات قوية.

ولتحميل اللفظ أكثر من معناه، عول أبو تمام أيضا في قصائده على التلميح والإشارة إلى أيام العرب وحوادث التاريخ والقصص المأثورة وضرب الأمثال. وفي ذلك ما فيه من إيحاء وتذكرة وإرضاء للثقافة الواسعة. وأشعاره حافلة بذلك حفولا واضحا لا يحتاج إلى تفصيل ووضوحه يغنينا عن ذكر الأمثلة.

(يتبع)

ــــــــــــ

نصيحة

خرج الزهري يوما من عند هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيت كاليوم ولا سمعت كأربع كلمات تكلم بها رجل عند هشام ابن عبد الملك، دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك، واستقامة رعيتك، قال: ماهي:

قال: لا تعد عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا، واعلم أن للأعمال جزاء، فاتق العواقب، وإن للأمور بغتات فكن على حذر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٥٤