وكذلك يقول في النسيب:
وأنجدتم من بعد إتهام داركم فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
معتمدا على جناس الاشتقاق بين إنجاد الأحباء وإنجاد الدمع ومكان نجد، وعلى الطباق بين الإنجاد والاتهام.
وكذلك يقول في هديل الحمام:
لا تشجين لها فإن بكاءها ضحك وإن بكاءك استغرام
هن الحمام فإن كرت عيافة من حائهن فإنهن حمام
معولا على الطباق بين البكاء والضحك وعلى الجناس المحرف بين الحمام والحمام.
وأما العلم والثقافة والفكر النير في ذلك العصر، فلقد كانت العبقريات تتفتح كالنجوم في كل أفق وكانت البلاد كلها تعج بالائمة في كل ميدان من ميادين المعرفة، كالفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والأدب والشعر والتاريخ والرياضة والفلك والموسيقى والفلسفة وأمثالها. ولا شك أن أبا تمام صادف فريقا من أولئك الأئمة في دمشق ومصر وبغداد وبقية أرجاء الدولة العربية، واستمع إليهم وأنشدهم من شعره. ويضيق المجال هنا عن الإشادة بأولئك الأئمة الأعلام.
ذلك عصر عجيب في ثقافته وحضارته وتقدم جميع أنواع المعرفة إبانه. ولذلك لا غرو إذا حمل شعر أبي تمام ثمرات تلك المعرفة الواسعة، والتفت في مونق قوافيه ظلال تلك الثقافة المتفننة، وانعكست في مشرق حروفه أشعة تلك الحضارة الوهاجة، واضطر مطالع شعره إلى ثقافة كبيرة تتصل بجوانب تلك الحضارة. فشعره يمس ذلك جميعا في الموضع بعد الموضع والحين تلو الحين.
وهو مما يسهل العثور عليه وتبينه عند المطالعة، وإن كان يبدو هذا الشعر معقدا وعرا صعبا، ولكنه لا يلبث أن ينجلي لدى الإدمان وإعمال الفكر.
ويجوز لنا أن نمضي في هذا النحو من الكلام، ونذكر الأمثلة المتعددة على ذلك الغنى الفكري، وعلى ألوان المعرفة والثقافة في شعر أبي تمام. وهدا النحو من البحث سهل ويسير. ولكننا نؤثر أن ندع ذلك ونبين بإيجاز جوانب الابتكار وعناصر الطرافة والتجديد في شعر أكبر مجدد في تاريخ الشعر العربي. فمن المعلوم أن أبا تمام كان رأس مدرسة شعرية تركت أكبر الآثار. يقول عنه الصولي الذي جمع أخباره: «رأس الشعر مبتدئ المذهب سلكه كل محسن بعده فلم يبلغه فيه، حتى قيل مذهب الطائي، وكل حاذق بعده ينسب إليه ويقص أثره»
وما ذكره الصولي أصبح منذ القديم متداولا متعارفا مجمعا عليه. ونحن نريد هنا أن نبين ملامح هذا المذهب الجديد في ضوء من المعرفة جديد.
فمن أولى خصائص هذا التجديد تحميل الألفاظ أكثر من مجرد دلالاتها، وذلك باعتماد المجاز والاستعارات وأمثالها، وإذا كان المجاز والاستعارة معروفين متداولين عند العرب القدماء، فإن شدة اعتمادهما عند أبي تمام من شأنها أن تخرج اللفظ عن دقيق دلالته ومضبوط معناه، لتوحي من ورائه بمعنى آخر لمجرد علاقة من العلاقات.
ولإيضاح ما أقصده أضرب مثلا بفن التصوير. فبدلا من أن يعمد المصور إذا أراد أن يصور أسرة سعيدة إلى تصوير جميع أفراد الأسرة في بهو بيت بابتساماتهم وأشكالهم وسحنتهم الدقيقة، أصبح يرسم بعض الخطوط التي تدل على البيت، ويسبغ عليه جوا من إيحاء السعادة، نشعر به من خلال النور المتلألئ الخارج من النافذة في الظلام، والدخان المنطلق من الموقد. أو هو يأخذ على طريقة بيكاسو الحديثة مثلا فردا من أفراد الأسرة، ويجعله يمثل الأسرة جميعها بإدخال خطوط وألوان جديدة مغايرة للمألوف، ولكن بينها في حد ذاتها تلاؤما، كما أن بينها وبين ما تدل عليه من المعاني علاقات ينبغي أن يجدها المتأمل ويكشف عنها بالتدريج، فيجد لذة وخصبا في هذا التأمل والكشف.
وهذا هو الذي صنعه أبو تمام في ميدان الشعر بالنسبة إلى دلالات الألفاظ والكلمات. أصبحت الألفاظ والكلمات لا تؤدي دلالالتها ومعانيها بالضبط بل هي تطمح إلى شيء آخر. إنها أصبحت لا تستعمل لمعانيها الموضوعة لها بالتدقيق، بل لتناسيها ومراعاة نظائرها وأضدادها. المعنى الشعري العام لا يحصل كما في الرسم الدقيق من اتصال هذه الدلالات الجزئية بعضها ببعض بدقة ولطف واستمرار، بل من تقاطع