«بينما البلدان ذات التأثير النصراني الراجح بها تقاوم الشيوعية وتلبث ملتحقة أشد التحاق بالغرب ومحاسنه الإنسانية. من ذلك أن بلدان خليج غينيا والاكواتور قد اتجهت اتجاها تاما نحو الحلول التي ترمي إلى الشركة مع البلدان الأوربية ولا سيما فرنسا منها. وأما السينغال فإنه يعرض نازلة ذات طابع خاص ومليئة بمبهم، بيد أنه جذاب. وتريد هذه المستعمرة الفرنسية العتيقة المدمجة سياسيا في فرنسا (إذ كان لها أعضاء بمجلس النواب الفرنسي مند عشرات السنين) من باب العاطفة أن تبقى مرتبطة بفرنسا، إلا أن تأثير السودان وثقل الميول الإسلامية كل ذلك يدفعها إلى الاستقلال. ولابد من إضافة مثل غينيا إلى ما ذكر مع بعض عاطفة التعالي على البلدان الأخرى، لعل الحكمة السينغالية ستنتصر، وإلا ففي ظرف مدة وجيزة تملك الشيوعية من دكار إلى كاور والحرب في الجزائر لن يسعها إلا أن تستمر سنين عديدة (1)».
ولما انتهى من الطعن في الإسلام تكلم عن الديموقراطية المحررة فقال أنها تدفع إلى مبادئ القانون الطبيعي، وأنها سبق أن كانت سبب شقاء الأمم الغربية وأنها قد تؤدي إلى الإضرار بهذه الدول الفتية، وأن هذه الدول الفتية لن تستطيع أن تقاوم ممارسة هذه الحريات الغير الطبيعية التي تمنح نفس الحقوق في الخير والشر إلى المواطن المحسن وإلى المواطن المسيء.
ثم أبدى مخاوفه قائلا: لقد آن الوقت لأن نفهم أن هذه الدول يجب أن تكون لها سلطة قوية لتدافع عن الحرية الحقيقية وأن تمنع مرتكبي الفوضى من ارتكابها مصرحا بما يأتي: «أن السلطة والحرية الحقيقة يتمم بعضها الآخر، فنحن نرمي في أحضان الشيوعية بهذه الحكومات الفتية إذا طالبناها بديمقراطية هي نفس مدلول الديماغوجية والفوضوية».
«على أن البلدان النصرانية وبالأخص الكاتوليكية لها أن تظهر اتجاها خالصا مشجعا لجميع هذه الدول التي لها حكومات ذات نيات حسنة. وليس عليها أن تتبعها في أية مغامرة». واستمر كاتبا ما ياتي تعريبه.
«ففي بلداننا الإفريقية، الناس يشعرون بالمثالية الدينية والروحية وبالمحبة بين الشعوب وبالعلائق الودية المحافظة على الكرامة أكثر من شعورهم بالمعونة المالية، ذلك عمل البلدان المتعودة الاكتفاء بالقليل، إلا أنها جد سريعة التأثر في ميدان الغضب وجد مفتوحة للحقائق الروحية، فالبلدان النصرانية تكون غالطة إذا غفلت عن هذا المظهر الثقافي والديني الذي يكون أحسن سفير يمثلها، والمجيء إلى هذه البلدان بالأرصدة وحدها محض خطأ. ان المعونة التي يظهر أن حكامنا الجدد يتمنونها هي تعاون تقني يشمل جميل ميادين النشاط الوزاري».
ثم أشار إلى الخصال المعنوية التي يجب أن يتشبث بها لضمان النجاح.
الشيء الذي يلفت النظر في هذا المقال، بقطع النظر عما جاء فيه من الحق والباطل والخطأ والصواب هو أن الاستعمار يجد دائما روادا ودعاة دجالين مساعدين من رجال الكهنوت، يجوبون الدنيا ويعيشون في الفيافي والقفار، وهم يتوفرون على ثقافة واسعة وشهادات جامعية عليا وتخصص في علمي النفس والاجتماع وطاقة من الصبر والإيمان بعقائدهم الفاسدة، وكلهم طمع في أن يكونوا طائفة قليلة من البسطاء وأن ينصروها وأن يدمجوها وبلادها في حظيرة دولة نصرانية. ولقد كنا نمني أنفسنا بأنهم لن ينجحوا واعتصمنا نحن بالتواكل والروبة، ملقين الحبل على الغارب، غير مكترثين للنتائج التي لم نكن -نحن المسلمين- لنقيم لها الوزن.
ولئن كانت الدول الإفريقية الحديثة الاستقلال المنخرطة في الرابطة الفرنسية وقفت موقفها الذي اتخذته في منظمة الأمم بخصوص القضية الجزائرية، فإن درك هذا الموقف يرجع إلى هؤلاء الدعاة النصارى الذين لا يكتفون بتلقين العقائد بل يتمالؤون وساسة الاستعمار على توحيد جهودهم وخط برامجهم وتنظيم دعايتهم ضد الإسلام تارة وطورا ضد كل المبادئ السياسية التي يشتمون منها خطر تفويت ما أحرزت عليه الدولة المستعمرة النصرانية طيلة القرون الماضية