الإسلامي نموذجيا بين كافة البشر، ومن ذلك الدعوة إلى الخير عن طريق البشارة الكبرى لصاحب العمل الذي يعم نفعه ويعود بالخير على المجتمع، مثل ذلك الحديث الصحيح: سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منها حتى يعود إليها، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. فليس المراد خصوص أن هؤلاء المتصفين بهذه الصفات يكونون في ظل الله وحمايته ورعايته آمنين من الخوف والعذاب وأهوال الموقف يوم القيامة لأنهم قاوموا شهوات النفوس وأدوا حقوق الله وحقوق عباده، بل النبي صلى الله عليه وسلم يريد بهذه البشرى أيضا جذب المؤمنين للتخلق بهذه المحامد والفضائل حتى يكون المجتمع الإسلامي متكونا من هؤلاء جميعا فيكون مجتمعا راقيا فيه العدل والعبادة وعمارة المساجد والمحبة في الله والبغض فيه والعفة وترك الزنى والمواساة والإحسان بكثرة الصدقة وإخفائها، وفيه خشية الله التي تجمع كل خير وتوصل إلى كل سعادة، فأول من قدم له الرسول هذه البشرى العظيمة رأس الأمة وراعيها الأمين العادل الذي لا يحكم بالشهوة ولا تبلغ ساحته الرشوة ولا يولي في الوظائف على الرعية إلا نزيها وكفؤا لأعماله شريفا في أخلاقه وأحواله فينتشر العدل من الإمام ونوابه في كل مكان. وقد وهب الله للمغاربة، وله الحمد ما وهب وأولى، إماما ضرب المثل في الإخلاص والتضحية والعمل، قاد السفينة في وقت الاضطراب والأهوال إلى ميادين الحرية والاستقلال نصره الله وأيده.
الثاني الشاب الذي نشأ في عبادة الله حتى يكون قدوة في الخير لإخوانه وفي ذلك كل خير للمجتمع لأن الشبان إذا نشأوا على العبادة والدين أخلصوا في التضحية وخدمة أمتهم فحازت قصب السبق في أفضل الميادين.
الثالث رجل تعلق قلبه بالمساجد لأنه طاهر الروح على قدم المصطفى يرى قرة عينه في الصلاة، وبكثرة أمثاله يقوى الخير والبر في المجتمع، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهو وإن تناول أمور المعاش بالأخذ والعطاء من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
الرابع المتحابان في الله بحيث تكون المبادئ السامية هي التي تجمع بين قلبيهما، وعلى هذا الأساس كانت مكانة بلال الحبشي ممتازة عند الصحابة أكثر من قرابة خلت من اعتقاد الحق والعمل به، كما قال البوصيري في وصف عمر:
والذي تقرب الأباعد في الله إليه وتبعد الغرباء
وعلى هذا الأساس قال النبي عليه السلام: سلمان منا آل البيت.
الخامس رجل استطاع أن يقاوم الشهوات في أزهى صورها وأقوى دواعيها من أجل مخافة الله التي غمرت قلبه وملكت مشاعره ولبه فأجاب المرأة ذات المنصب والجمال التي دعته إلى نفسها بقوله إني أخاف الله.
السادس الإخلاص في الإحسان وإخفاؤه حتى لا يشاب بحب فخر ولا رياء من حظوظ النفوس البشرية.
السابع رجل غلبه الشوق إلى الله والتفكر في صنعه وملكوته وعظمته تفكرا يبعث على الخشوع وتفيض من أجله الدموع.
ولا شك أن المجتمع إذا اشتمل على هذه الطوائف الطيبة النفوس الكريمة المنبت والغروس يكون مجتمع أطهار تغمره السعادة وتتمتع نفوس أهله بالرضى والاطمئنان.
وقد مرت في مختلف العهود الإسلامية في المغرب والمشرق أمثلة لامعة بلغت ذروة العلم والرياسة فلازمها الزهد والورع، كعمر بن عبد العزيز، والحافظ ابن حزم الذي تخلى عن الوزارة للاشتغال بالعلم فبلغ فيه المكان الأسمى، ويوسف بن تاشفين الذي كان يتعبد ويكثر الصوم وقت جهاده، ومؤسس دولة المرابطين عبد الله بن ياسين، وحماس بن مروان الذي تولى قضاء إفريقيا فجمع الله عليه القلوب وأظهر العدل ولم يأخذ عن قضائه أجرا حتى أوصى ابنه وقت احتضاره ببيع كتبه لشراء كفنه، فقد حكى عنه ابن فرحون في الديباج أنه خرج ليلة من بيته وابنه سالم يتهجد في بيته والعجوز في بيتها تقرأ وتركع وتبكي والخادم يصلي فوقف في الساحة وقال: يا آل حماس ألا هكذا فكونوا. ويضيق المقام عن كثرة الأمثلة، ومدار صلاح المجتمع على الإيمان والتعاون على البر والتقوى، وما عدا ذلك فهو كله من لهو الحياة، وقد قال الله تعالى: ?وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ? [العضر: 1 - 3].
والله يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم.