دعوة الحق، س4، ع4 /يناير 1961 .................... ص5
أثر التربية الدينية في أعمال الدولة ورقي المجتمع
للأستاذ محمد الطنجي
لا ينكر منصف أن حسن السلوك والوازع النفساني لهما آثار جليلة النفع وأنهما إذا وجدا يوفران من الأتعاب على الولاة والحكام وإدارة الأمن ورجال المال والأعمال ما لا توفره القوانين والإجراءات الإدارية، على الرغم مما تحتاجه من كثرة رجال ووفرة أموال لتطبيقها وإجراءاتها، لذلك كان تهذيب النفوس ليحسن سلوكها وتربية الضمائر وبعث الشعور الحي فيها من أهم ما يلزم الأمم لتنعم بالحياة الطيبة والاطمئنان في الوجود الإنساني، ولا يكون المجتمع راقيا حقيقيا إلا إذا كان أهله ذوي ضمائر حية وسلوك حسن، ليؤدي كل فرد ما عليه من واجبات عن رغبة وطيب نفس ويأخذ ماله من حقوق من المسؤولين وغير المسؤولين بسهولة ويسر، دون حاجة إلى إلحاح أو اغتصاب أو تذمر وشكوى.
وهذا ما يجعل توجيه المجتمع هذه الوجهة الصالحة التي تعود عليه بكل خير من المصالح العامة التي يتعين أن تنفق عليه الدولة قسطا مهما من الأموال والمجهودات وهذا ما تفعله الدول التي تهتم بالمصالح الحقيقية، فلو عمت التربية الصالحة في الشعب لاستراحت محاكم القضاة من كثرة المشاغبين ومحاكمة من يأكلون أموال الناس بالباطل، كما يقال لو أنصف الناس لاستراح القاضي. كما أن إدارة الأمن يهدأ بالها من كثرة المخالفات وتعقب أصحاب الجنايات ويحسن سلوك الموظفين في جميع الإدارات فلا تكون حاجة إلى مجالس تأديب الموظفين، وتخف كذلك النزاعات بين العمال وأصحاب المعامل إلى أقل نسبة نظرا لتشبع النفوس بمعرفة الحقوق والواجبات والتعاون على البر والتقوى. وإن تعاليم الدين السامية تتكفل برفع المجتمع إلى هذه الذروة العليا من الصفات الكاملة بتعاون أجزائه وتناصحهم في أداء مهماتها الاجتماعية على أحسن الوجوه، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ورسوله ولائمة المسلمين وعامتهم؛ فنصيحة المؤمن لله تظهر في توحيده وإخلاص عبادته. وفي وصفه بما وصف به نفسه من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ونصيحة كتابه تكون بالوقوف عند أحكامه وحدوده والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والاعتبار بمواعظه ونشر علومه والدعاء إليه.
والنصيحة لرسوله تتطلب الإيمان برسالته والعمل على طاعته ونصرة سنته والسعي في تعلمها وحفظها وتعليمها والذب عنها.
ونصيحة أئمة المسلمين تكون بطاعتهم في الحق ومعاونتهم عليه وتذكيرهم به وإعلامهم بما غفلوا عنه وبما لم يبلغهم من أمور المسلمين.
والنصيحة لعامة المسلمين تكون بإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وكف الأذى ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتنشيط هممهم للطاعات.
وإذا حملنا النصيحة على هذا التفسير ببيان جميع متعلقاتها تكون هي مجموع الدين بما فيه من عقائد وأحكام وآداب فلا نحتاج إلى أي تأويل في هذا الحمل على غرار تأويل «الحج عرفة» وأشباهه من الجمل. وإذا عمت النصيحة بين أفراد المجتمع على هذا النمط لا شك أنه يكون أفضل المجتمعات لجمعه بين مصالح المعاش والمعاد. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدخر وسعا في ترغيب المؤمنين في التمسك بأهداب جميع الفضائل ليكون المجتمع