يسمونه بعصر النور والعلم ناشرة ما تلقفه أهل الجاهلية الأولى من مذهب المادية العمياء القائلة ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر وتبع هذه الميول الفاسدة حب الجاه والرئاسات والمال إلى درجة العبادة والتقديس، فخرجت الجحافل مدججة بالسلاح وبالحديد والنار تغزو الأمم الضعيفة المطمئنة بغية المال والسيطرة ضاربة عرض الحائط بمبادئ العدالة والقيم الأخلاقية ومرتكبة شر أنواع الظلم والعدوان من قتل الأبرياء وتكثير الآيامى وتشريد اليتامى إلى ما ينتشر من مخزيات وموبقات من خمور وقمار وفجور ولهو ومجون وقضاء على البقية الباقية من رصيد روحي وحياء ومروءة بين المستضعفين: فأين المفر من مخزيات الاستعمار ومن رواسبه وسمومه في النفوس والأفكار؟ وكيف الخلاص من تقاليده المادية الضارة في أمم عاشت بروحانية طاهرة، حلقت بها نفوسها في أوج القناعة والرضى والاطمئنان وسلامة القصد وراحة الضمير؟ فأصبحت الأمم الشرقية بهذا التعدي والاستعمار الأوربي البغيض فاقدة لاستقلالها السياسي وفاقدة للتحرر الاقتصادي، وفاقدة لشخصيتها الفكرية والاجتماعية، بل أصبحت في خطر يتهدد عقيدتها الدينية. فكان لزاما على مختلف طبقات الأمة أن تكافح للخلاص وتحطيم كل هذه القيود، فتعاونت جميعها في مغربنا على الخلاص السياسي حتى وقع الاعتراف بالاستقلال رسميا، وأحرز بعضه ولا زالت للاستعمار ذيول نرجو الله أن يعين على تطهير البلاد منها في القريب. وقد أصبحت الرغبة في التحرر الاقتصادي والفكري وإحياء مقومات الأمة وتقاليدها الصالحة في الحياة بعد هذه النكبات المختلفة التي تشغل بال أكبر المسؤولين وبال المفكرين المصلحين في هذا البلد الأمين، إذ يصعب على أية أمة من الأمم أن تنسلخ من تقاليدها ومقوماتها لتتقمص تقاليد غريبة عنها، كما يريد أن يلبسها هذا اللون من الحياة بعض المشايعين للاستعمار أو خلفاؤهم في هذه الديار، لأن هذه الحياة الغربية ستجعل الأمة بعيدة عن تقاليدها وروحانيتها الشرقية التي استقرت أوضاعها فيها منذ قرون وأجيال، وكانت رأسا فيها بأمجادها وتاريخها وفتوحاتها وصلاتها المتعددة بأمم الشرق من رحم وعقيدة وتشريع ولغة وأخلاق وتقاليد، وفي وقت انسلاخ الأمة عن كل هذه المقومات تريد تلك الفئة الشاذة أن تجعلها ذنبا تابعا لأروبا، وأمة دخيلة عليها، ولصيقة فيها، فتتبرأ الأمة من شقيقاتها الشرقية والعربية وتصبح عالة على أوربا في كل مقوماتها وهذا ما لا يريده لهذه الأمة مخلص لأمته ودينه ووطنه.
وهذه الحالة الناذرة بالخطر هي التي بعثت عاهل المغرب مولانا محمد الخامس نصره الله على توطيد دعائم الصداقة مع دول الجامعة العربية بواسطة سفراء المغرب بالرحلة الميمونة التي قام بها بطل تحرير المغرب بنفسه في أول العام المنصرم إلى تلك الدول ودرس قضايا الإسلام والعروبة معهم عن كثب، ومن المناسب هنا التنويه بحملة التعريب الإداري الواسعة التي تقوم بها الحكومة المغربية وعلى رأسها جلالة الملك.
وإننا لنرجو أن يتخذ في القريب العاجل سياج من الاحتياطات تحفظ القيم الروحية وأرصدة المغرب الروحية من الانهيار كما تتخذ الوسائل الاقتصادية لحفظ كيان المغرب الاقتصادي وبذلك يمكن المغرب أن يحتفظ بجميع مقوماته معنويا وروحيا واقتصاديا وتصبح دولة لها وزنها التام في الميزان الدولي العام.