دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 .................... ص16
بمناسبة ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام: تعاليم الرسل بين أتباعهم
للأستاذ محمد الطنجي
ليس التاريخ إلى أحداثا منتظمة في حلقات من الزمن، يشرف الزمان شرفها ويتضع بضعتها، فيكون زمان خيرا من زمان بالأعمال النافعة للإنسانية الواقعة فيه، كما تكون نفس أزكى من نفس حيث يكون عنصرها خالصا ومتمخضا للخير، أو يكون الخير غالبا على بقية صفاتها، فإذا أشرقت في الزمان نفس خالصة بعنصرها للجمال والكمال الإنساني، وتجلت بأفعالها لخير الإنسانية، فذلك الزمن من خير الأزمنة أو هو خيرها على الإطلاق، والمكان الذي تنبعث منه إشعاعاتها النورانية لهداية البشرية وخيرها هو خير الأمكنة، وهذا هو المقياس المناسب لخير الزمان وشرف الإنسان، وإلا فالزمان المنسوب لحركات الفلك في ذاته ليس فيه جزء أشرف من جزء كما أن الإنسان لا يفضل أخاه من جهة حقيقته المحدودة بالحياة والنطق والمنساقة للفناء والموت. وعلى هذا كانت أزمنة بعثة الرسل والأنبياء مشارق أنوار، ومطالع أسرار، ومنابع إرشاد وهداية، ومهابط خيرات وبركات إلاهية، ينبئك عنها قول الله لسيدنا نوح «اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك» إلى ما قاله عيسى في مهده: «إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي، ولم يجعلني جبارا شقيا، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا».
كما قال الله في حق نبيه محمد: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». وقال أيضا: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.» وقال في أخلاقه: «وإنك لعلى خلق عظيم». وهكذا فضلت أمم الأنبياء وقت اتباع تعاليم أنبيائها على الأمم لم تتمسك بتلك الهداية.
وعلى ذلك قال رسول الله في حق أصحابه المحافظين على شريعته وعهده: خير القرون قرني ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم فلم يجاوز كل هذا صحائف التاريخ التي كتبها الأنبياء بتعاليمهم وسيرهم وأعمال أتباعهم بين البشر. وإذا تكلمنا على ذكرى ميلاد المسيح فإننا معشر المسلمين نؤمن به كرسول من أولي العزم جاء داعيا لتوحيد الله ولشريعة الإخاء والمحبة بين البشر وقد أثمرت دعوته حتى غمرت قلوب أتباعه الحقيقيين الصفات التي ذكرها الله في قوله: «وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون».
ومن هذا السياق الذي ألمعنا إليه يتضح أن للإسلام والمسيحية هدفا مشتركا يجب أن يتعاون عليه المسلمون والمسيحيون وهو العمل لخير الإنسانية ونشر السلام في الأرض ما اشترك الإسلام والمسيحية في أن كلا منها مبني على الأسس القويمة التي تحفظ المجتمعات البشرية من الانهيار والانحلال كنظام الأسرة ومكارم الأخلاق من الصدق والوفاء والمواساة والإسعاف والإحسان وما إلى ذلك.
وقد أصبح هذا التعاون لازما أمام تفشي الإلحاد والمبادئ الهدامة التي استفحل أمرها في أوربا وأخذت تغزو البلاد الإسلامية بتيارها الجارف. وقد استهوت المادة والشهوات كثيرا من نفوس المسيحية فتركت تعاليم المسيح وراءها ظهريا ورتعت في حماة الشهوات وميدان إرضاء الغرائز ونشأ المذهب الوجودي قبل إعلانه رسميا بين أحضان الهادمين لتعاليم المسيح فبعثت الجاهلية الأولى حية تسعى في الزمان الذي