آمنتم بذلكم فكيف تجحدون خالقكم وهو الخلاق العليم العظيم الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، وإن لم تؤمنوا به، فأجيبوا عن السؤال الأول، ولن تستطيعوا له جوابا حتى يلتقي سهيل والثريا، وحتى تجيبوا على جميع الأسئلة التي تحديناكم بها في المقالات التسع الماضية، وهيهات ليس أمامكم إلا أحد أمرين إما الرجوع إلى الحق والإيمان بالحق والندم على ما ضاع من أعمالكم في ظلمات الجهل وخبطكم خبط عشواء في ليلة ظلماء أو المكابرة والمغالطة والوقاحة.
إذا رزق الفتى وجها وقاحا
تقلب في الأمور كما يشاء
2) لقد أجاب المؤلف وهو من هو! رئيس المجمع العلمي في الولايات المتحدة. أجاب بقوله: فهل خلق الله تلك العيون الكثيرة في المحارة لأنها ليس لها قوة دماغ كالإنسان؟ الجواب نعم، فتبارك الله أحسن الخالقين.
3) ثم أشار المؤلف إلى أن الطبيعة لا تستطيع أن توجد لأنواع الحيوان تلك العيون المتعددة من عينين اثنتين لكل مخلوق إلى عدة آلاف من العيون للمخلوق الواحد، وهذه العيون تختلف في كل مخلوق على حسب ما يناسبه، إذا فالخالق البارئ المصور هو الذي فعل ذلك وأنف المادي وأذنابه راغم.
4) ومن الذي علم حاجة النحل إلى عيون تنظر بما فوق البنفسجية لتبدو لها الأزهار، أجمل مما تبدو لنا، فتجذبها إلى أخذ مادة العسل منها لتخرج لنا عسلا لذيذا نستمتع بأكله، ونستشفي بخواصه، هل تقدر الطبيعة أن تعلم هذه الحاجة وتسدها فأين تذهبون؟
5) يقول المؤلف: «إن بين أشعة التموجات البطيئة وبين اللوحة الفوتوكرافية التصويرية عوامل من الجمال والبهجة والإلهام التي بدأنا نقدرها حق قدرها ونسيطر عليها، فدعونا نؤمل أن نقدر في يوم من الأيام على الاستمتاع بعالم الضوء الواسع بواسطة النبوغ في الاختراع. هكذا يعترف العلماء المحققون أنهم لا يزالون في بداية الاطلاع على عالم الضوء وعجائبه، ويؤملون أن يزدادوا علما ويتوصلوا إلى النتائج العظيمة بخلاف الطائشين الذين يصدرون أحكامهم جزافا، ويقنعون بأول بصيص ويزعمون أنهم أحاطوا بكل شيء علما وذلك هو الجهل المركب.»
6) إن تصرفات مملكة النحل، وأعداد العاملات منها في البيوت والتغذية لكل صنف ما يناسبه لا للموجود منها فقط، بل لما سيوجد لبرهان قاطع على تدبير رب العالمين وتصرفه في خلقه بحكمته البالغة. قد اعترف المؤلف أن تدبير هذه المخلوقات الملهمة لمملكتها يفوق تدبير البشر، وما أجمل قوله تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون». لا جرم أن تفوق النحل الضعيفة على الإنسان في بعض النواحي سببه ذلك الوحي الرباني، ولذلك نوه الله به ممتنا على عباده، ومنبها لهم على كما حكمته وعظيم قدرته ليعتبروا، وقد سميت السورة بسورة النحل لوجود هذه الآية فيها، وما يعقلها إلا العالمون.
ثم قال المنصف: والكلب بأنفه الذي لا يفتر عن السعي في استنباط المعلومات بما أوتي من قوة الشم يستطيع أن يعرف الحيوان بعد مروره بالمكان الذي هو فيه، ولم يستطع الإنسان حتى الآن أن يخترع آلة تقوي حاسة الشم عنده إلى أن يساوي هذه الحاسة عند الكلب، ونحن لا نكاد نعلم كيف نبتدئ في فحص امتدادها، وعلى ذلك نرى أن حاسة الشم على ضعفها عند الإنسان قد تطورت إلى حد أنها تدرك أصغر الذرات المجهرية (المكروسكوبية) وكيف نعرف أننا جميعا نتأثر تأثرا واحدا بشمنا رائحة بعينها؟ والحقيقة أننا لا نتأثر تأثرا واحدا، وكذلك الذوق فإنه يعطي كل واحد منا شعورا خاصا، والعجب أن اختلاف احساساتنا هنا هو وراثي. وكل أنواع الحيوان تسمع الأصوات التي كثير منها خارج عن دائرة إدراكنا، وسبب ذلك دقة السمع عندنا بكثير، وقد توصل الإنسان بالوسائل التي اخترعها في هذا الزمان إلى أنه يستطيع أن يسمع حركة ذبابة وهي تمشي على مسافة أميال بعيدة منه، كما لو كانت تمشي على صماخ أذنه، وبمثل تلك الآلات يستطيع الإنسان أن يسجل وقع شعاع عالمي.
إن جزءا من أذن الإنسان هو سلسلة من نحو أربعة آلاف حنية دقيقة، ولكنها معقدة، متدرجة بنظام دقيق في الحجم والشكل ويمكن أن يقال أن تلك الحنايا تشبه آلة موسيقية، ويبدو أنها قد نظمت تنظيما محكما، بحيث تدرك الأصوات، وتنقلها إلى الدماغ.