تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص19

ووجدك ضالا فهدى

للأستاذ التهامي الوزاني

يقول الصوفية ليس المريد بمريد، إن لم يجد في القرآن كل ما يريد. وقال حكيم قديم «النعمة تاج يبصره من فقدها، وربما لا يشعر به من يرتع في بحبوحتها ... ومن عرف حقيقة المنة، وعرف حقيقة نتائج فقدانها فذلك الحكيم الذي أوتي خيرا كثيرا».

إن لكل كائنة حسناتها وسيآتها وليس في دار الدنيا حسنة لا تصاحبها سيئة، ولا سيئة لا ترافقها حسنة، وإنما الحكم للغالب، وإلا فإن الذهب لا بد أن يختلط بأجزاء مجهولة القيمة أما الندرة فشذوذ عارض، ولقد كنا معشر المغاربة قبل مصيبة الحماية في نعمة الاستقلال والحرية، فكفرنا بأنعم الله، وبذرنا تبذيرا، ولم نشكر النعمة باتخاذ أسباب المحافظة عليها، فابتلينا ببلاء الاستعباد والتبعية، وباض وأفرخ، وكان غازيا خبيثا، لم يكتف باستعباد الأجساد، بل استعمر حتى الأفكار، ودس السم في العسل، أما عسله مظاهر الحضارة المحبوبة، وأما السم فاختلاق فرية أن الإسلام ينافي التقدم، وأن لا سبيل لحياة صحيحة مركزة إلا بعداوة كل ما هو إسلامي وعربي، وكان الاستعمار مسيطرا في أمة مغربية وديعة، كان من كفران الذين استكبروا فيها أنهم لم يعلموا جمهورها، ولم يحيطوا الحرية بسياج تتبع الثغرات التي تهاجم منها هذه الحرية، وبدلا من العمل للقضاء على الحزازات، والتقريب بين وجهات النظر المختلفة، وإفهام الشعب فهما كاملا بأن دينه ودنياه في خطر إن لم يقم دعائمه الاجتماعية ويصن حريته واستقلاله بدلا من هذا كله تركت السيادة للأنانية الجامحة، وما خدم الاستعمار شيء كما خدمته الإقطاعية التي شعرت بحاجتها إلى الإسناد الجهنمي، وإلا فإن الشعوب ألهمها الذي ألهمها فجورها وتقواها أن تكره التفاوت العظيم بين الطبقات، وألقت الفطرة في روعها الإشرئباب إلى العدل والمساواة والحرية فإذا بالنتائج المفجعة تتوافر والنكبات تترى، وإذا بأمم تطورت مع الزمان، تضع يدها على المغربي الحيران المضطهد، حيران، لأنه لم يهتد إلى العلاج، مضطهد، دون أن يضطهده إلا جهله وفساد الفلسفة التي كان يبني عليها نظرياته في الأخذ بالعزلة، وغلق الباب في وجه الصحافة والأقوال الحرة، وأقبل ليل البلاد في ظلمات ثلاث: الجهل والفقر والاستعباد. وكان وجود الليل بشيرا بانفلاق الفجر، كما أن الزوبعة العاصفة مبشرة بالجو الصحو والبحر الرهو، لأن الأشياء كامنة في أضدادها -كما يقول الصوفية-. ويقول الفلاح المغربي (إن الشتاء يولد في السمائم، وأن الصيف يولد في الليالي) وقياسا على هذه النظرية، فإن الحرية نبتت مع الاستعمار فإنه كان صفعة هائلة تنبه منها الغافلون وجاءت الحرب العالمية الأولى (1914/ 1918) فهدمت أسوار العزلة، وركب الجندي المغربي السيارة والباخرة والقطار، وقاتل في كل مكان، وأسر منه من أسر، فإذا بالجيش المغربي يعود ويحكي مغامراته في البر الكبير وبلاد الفرنجة، وإذا بفريق تعلموا اللغات الحية، وإذا بالأوروبيين يشعرون بالحاجة إلى توسيع نطاق اللغة العربية، فأخذت الأفكار تتنبه وطفق المغاربة يتحللون من عزلتهم. ولرغبتهم في معرفة شؤون العالم صاروا يلتهمون قراءة كل ما وصل إلى يدهم من مؤلفات ونشرات، فإذا هم في عالم حقيقي لا خيالي، وإذا بهم يتنازلون عن كثير من آرائهم، كما تتناثر أوراق الشجر في فصل الخريف، استعدادا للاكتساء بحلة ربيعية جديدة، وقارنوا بين وضعيتهم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨١٩