دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 66
الأدب الفرنسي ومشكلة الجزائر
للأستاذ محمد برادة
إن فهم الوضع الفكري في فرنسا اليوم يجب أن يلتمس في إطار أعم من إطار الكتب والمحاضرات و المسرحيات، ذلك أن عنصرا هاما يهيمن على الحياة الفرنسية كلها ويحتل الصدارة سواء في الحياة الفكرية أو السياسية، وأقصد مشكلة الجزائر التي تكون قرحة يصعب التئامها إذا لم يوجد لها حل عادل.
إن مشكلة الجزائر بالنسبة لفرنسا تقيم الدليل مرة أخرى على أن الأحداث السياسية -أو على الأصح- الأحداث الحياتية تؤثر تأثيرا مباشرا على الشعب وبخاصة على أدبائه ومفكريه الذين يكونون القوة الطلائعية في المجتمع، ومشكلة الجزائر تطرح اليوم بشكل جدي لم تطرح به من قبل طيلة الست سنين التي خاضع خلالها الشعب الجزائري معركة الحرية، ولعل هذا يدفعنا إلى التساؤل: على عاتق من تقع مسؤولية هذا التأخير في مواجهة المشكلة الجزائرية بصراحة وشجاعة؟
وللجواب على هذا التساؤل نتجه إلى إحدى الشخصيات البارزة في عالم الفكر الفرنسي الأديب جان بول سارتر الذي أعلن في محاضراته التي ألقاها أثناء جولته في أمريكا اللاتينية بأن المسؤولية تقع على اليسار الفرنسي إذ ترك للمصالح السياسية العاجلة أن تجرفه في تيارها ..
ولسنا الآن بصدد دراسة مواقف اليسار الفرنسي في السنين الماضية، ولكننا نحاول أن نسجل صورة موجزة لرد الفعل القوي الشامل الذي انبثق في هذه الأيام داخل فرنسا والذي استطاع أن يطغى على كل ما عداه من المشاكل بما فيها مشكلة أثمان الخضر واللحوم التي يعاني منها الشعب الفرنسي الكثير.
وقبل أن نستخلص تأثير المشكلة الجزائرية على الأدب الفرنسي يجب أن نذكر أهم المشاكل التي تجلت فيها ردود فعل المثقفين الفرنسيين.
كلنا سمع أو قرأ عن شبكة جانسون التي جرت محاكمتها في هذه الأيام بتهمة التعاون مع جيش التحرير الجزائري. وهي شبكة نظمها أساتذة فرنسيون وقاموا بنشاط إيجابي واسع النطاق بعد أن يئسوا من التصريحات والوعود التي كثيرا ما أفضى بها الساسة المحترفون، وقد كان أعضاء هذه الشبكة يقدمون المعونة للفدائيين الجزائريين ويوزعون مجلة سرية يفضحون فيها جرائم الاستعمار ويهيبون بالرأي العام إلى الضغط على الحكومة لتعترف للشعب الجزائري بحق تقرير المصير.
ولأول مرة يقف الفرنسي والجزائري جنبا إلى جنب أمام المحكمة ليعلنا أنهما متفقان على ضرورة منح الشعب الجزائري حريته، وعلى أن سفح الدماء البريئة من الجانبين وسيلة دنيئة لخدمة أغراض الرأسماليين.
وأثناء محاكمة هذه الشبكة ارتفع صوت سارتر -في رسالة بعثها إلى محامي الشبكة- ليعلن:
«أن خنق الحريات المتزايد وتعميم التنكيل، وعصيان القوات العسكرية وعدم خضوعها للسلط المدنية .. كل هذا يسجل تطورا في حياتنا السياسية يمكن أن نصفه دون مبالغة بالفاشتية، وأن اليسار الفرنسي سيظل عاجزا عن مواجهة الموقف ما لم يوحد جهوده مع جبهة التحرير الجزائرية، القوة الوحيدة التي تكافح اليوم ضد عدو الحريات الجزائرية والحريات الفرنسية الذي هو عدونا المشترك».