الموظفين الحكوميين وقضاة الدولة المبجلين. وهؤلاء الخريجون هم الذين تسترشد بهم السلطة الحاكمة للتثبت من مطابقة ما تنوي فرضه من ضرائب واتخاذه من إجراءات. ومن هنا كان لطائفة المثقفين المتكونة من جيل لآخر أثرها المعنوي في حياة المدينة كما كان لتعاضدهم الثقافي والتقائهم عند مبادئ واحدة أثرهما الكبير في دوام الوطن.
لقد كان الالتحاق بالقرويين وما يزال حتى الآن يعني الانتماء إلى هيئة مبجلة لها قيمتها. فالدراسة فيها تعني الاشتراك في طريقة حياة معينة وإشغال مكان معين في أحضان الحضارة. وتنفرد الجامعة بمزايا عديدة نذكر منها أهمية المثال الشخصي والتعليم الشفوي المباشر والاتصال القائم بين المعلم وتلميذه وحياة التلاميذ المشتركة وكافة الاجتماعات والعلاقات الإنسانية التي تنسج خيوط التعاضد العاطفي والعقلي فتؤلف نوى من الشعور بالانتساب إلى كيان كامل يشكل ثقافة قائمة بذاتها. وما أحرانا أن نذكر في هذا المقام أن الفضل في تعريف طبيعة هذا التعاضد وبراعة تحليلها إنما يرجع إلى ابن خلدون العظيم، أشهر كاتب للدولة ومؤسس التاريخ الثقافي الذي ولد بين ظهرانيكم.
إن هذه الوحدة العميقة والرابطة القوية التي تلم شعب تاريخكم وتحفظ كيان مجتمعكم ومظاهر ثقافتكم وتقوم شاهدا على أيمانكم تطبع جامعتكم بطابعها الفريد الذي ما تزال متحفظة بقيمته حتى الآن بما قد تنطوي عليه من أهداف جديدة.
وأي موضوع في الحقيقة يفوق في أهميته موضوع تأثير الجامعة في حياة الجماعة؟ إن توسيع التعليم وزيادة المقاعد المخصصة للتعليم العالي لتؤدي بطبيعتها إلى القضاة على كل عزلة ثقافية، كما أن احتياجات الدولة ومطالب المؤسسات بل الآفاق المترتبة على تغيير الوسائل التقنية تحتاج جميعها إلى الاستفادة من مجهودات الجامعة. والحق أنه يتعين على الجامعة بالإضافة إلى المهام الرئيسية الملقاة على عاتقها من أعمال البحث وتخريج الأشخاص، أن تتحمل مسؤوليات جديدة ذات طابع اقتصادي واجتماعي وثقافي. أضف إلى هذا أن الجامعة تحتل مكانا مطرد الأهمية في صرح التطور الاقتصادي بالنسبة لبلد ناشئ متطور تري بتقاليده العريقة مثل بلدكم الكريم. فالجامعة مطالبة إذن بإعداد صفوة المستقبل، كما أنها مطالبة أيضا بجمع التراث الثقافي وتسليمه إلى الأجيال اللاحقة. ذلك التراث الذي يضفي على المجتمع سماته الخاصة به ويكسبه الإحساس بدوامه كما أنه يكشف له في رحاب العلاقات الدولية عن النصيب الثمين الذي أسهمت به الحضارة الأصلية. ففي ممكنة الجامعة باعتبارها من دعامات الثقافة أن تكفل دوام الوطن. ومن هنا يكتسب عيد القرويين الألفي مغزى آخر غير مغزى التذكرة التاريخية البسيطة.
وفي وسع مبادئكم التربوية أيضا أن ترتدي ثوبا جديدا في وقت يظهر فيه من كل جانب خطر تعليم يقتصر على إعداد المتخصصين أو التقنيين أو المتفقهين. فمبادئكم كانت تهديكم دائما لا إلى نقل المعارف إلى الإنسان وحسب وإنما إلى إعداد هذا الإنسان بكليته وجعله ممتلكا لجميع قواه وملكاته. وتقاليدكم لم تعرف أبدا التفريق بين الجانب النفسي والجانب العقلي وقد كان بحث معلميكم عن الحقيقة يتميز في الوقت نفسه بالبحث عن الحق والعدالة. ولقد علمت أن لفظة «العلم» باللغة العربية تعني العلم والحكمة معا، وأن لفظة الحق تجمع بين مفهومي العدالة والحقيقة.
واذا اعوزنا المثال في هذا المجال ففي وسعي أن أذكر ابن طفيل ابن هذا البلد الذي كتب الرواية التربوية المعروفة باسم «حي بن يقظان»، فكان أول ملهم لجميع ما كتب من هذا القبيل من روايات وحكايات تربوية. وقد أظهرنا ابن طفيل في روايته على تفاصيل «أعوام التحصيل» التي قضاها شاب مراهق ولم يكن هذا الموضوع قد طرق في أوروبا من قبل فكان رائدا للكتابات التربوية التي كتبها رابليه وقصة روبنسن كروزو وقصة اميل. وأشير بوجه خاص إلى أن موضوع هذا البحث كان أهم المظاهر الرئيسية للقصة التي كتبها جيشه مصورا فيها بطل القصة وقد استند إلى تجربته الشخصية وإلى إرشادات معلمه كي يتعلم مهنة الرجال، ثم أخذ يشحذ همته ومواهبه ويعيد اختراع التقنيات إلى أن بلغ مستوى التحكم في أمور الطبيعة. ولقد اجتمعت لدى المفكر المغربي الذي عاش في القرن الثاني عشر جميع هذه العبر والعظات الإنسانية. وهي تعبر عن ثقته البالغة في صفات الشخص الإنساني وفي اتساع مجال قدرته على الأشياء والحوادث.
على أن هناك مظهرا آخر يتميز بأهميته الخاصة بالنسبة لي كممثل لمنظمة دولية. ألا وهو تقليدكم الخاص بصفات الكلية والعالمية التي يظهر تعبيرها في