دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 58
رسالة القرويين
رينيه ماهيه
نائب مدير منظمة اليونيسكو
إنه لشرف عظيم لي أن أنقل إلى جامعة القرويين آيات تقدير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. وأنني إلى جانب هذا الشرف الذي توليني إياه هذه المهمة الجليلة، لأشعر بسعادة شخصية عظيمة بداعي الذكريات التي تربطني بهذه المدينة الفريدة التي يزيدها مرور السنين قيمة وجلالا.
إن جامعة القرويين ومدينة فاس لم تعرفا منذ أكثر من ألف عام إلا حياة مشتركة واحدة، ومن النادر حقا أن نشهد ارتباطا متينا كهذا بين جامعة ومجتمع، أو بين جامعة وشكل من أشكال الحضارة الإنسانية. وتظهر معالم هذه الرابطة الوثيقة في كل شيء يحيط بنا اليوم، فهي تطل علينا من علياء المكان الذي نجتمع فيه الآن، متمثلة بفنه المعماري وبالذكريات التي يثيرها في النفوس.
ولعل السبب في ذلك هو أن هذا المكان كان في الأصل دارا للصلاة والعبادة، فامتزجت فيه فيما بعد عقائد الإيمان واليقين بالمظاهر الثقافية. ومما يجدر ذكره أنه منذ أن أمر نبي الإسلام، عليه الصلاة والسلام، ببناء «الصفة» في المدينة المنورة وجعلها مقرا للدراسة والمناقشة أخذت كافة المساجد والجوامع تسعى طوال أربعة عشر قرنا إلى السير على الدرب نفسه كي تصبح أماكن للتعليم والتحصيل بجوار رسالتها الروحية. وقد تمكن بعض هذه الجوامع من نشر نفوذ وأثره وإضافة دروس الأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم إلى دروس الدين والشرع. وهكذا ظهرت المستنصرية في بغداد والعدلية في دمشق وجامعة قرطبة، ثم الجامعات الإسلامية الكبيرة التي ما تزال ثلاث منها باقيات حتى الآن، وهي الأزهر في القاهرة والزيتونة في تونس ثم جامعة القرويين في فاس، ولقد ازدادت معارفنا اليوم عن أثر هذه الجامعات العميق في تطور العلوم والحركات الفكرية إبان العصور الوسطى الأوروبية كما اتضحت لنا أكثر من ذي قبل معالم الدور الذي ساهمت به في نهضة الجامعات الغربية. ومن ثم، فإن إحياء ذكرى جامعة القرويين يتيح لنا اليوم فرصة الإعراب عن مشاعر التقدير لهذه الجامعة والإعجاب بها ويذكرنا بأقدم تقليد عرفه التعليم العالي في مختلف مراحل تطوره حتى بلغ مرحلته الحاضرة دون انقطاع.
وإلى جانب كون القرويين مسجدا جامعا وجامعة، فهي في الوقت نفسه مكان لالتقاء الأهلين. فتقاليدها الروحية تنطوي على تعاليم اجتماعية، كما أن ركن علمائها مفتوح الأبواب دائما أمام كافة الناس. ويعج هذا الركن بالحركة وبغدوات وروحات الحياة اليومية، فهو المكان الذي يستطيع المرء أن يفتش فيه عن أستاذه أو صديقه للمشورة أو الحكمة أو المعونة. وتشير الرواية المثيرة التي تسرد عادة عن أيام القرويين الأولى إلى التكاثف الاجتماعي ومشاعر الأخوة الإنسانية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. إذ يقال إن أختين صغيرتين قدمتا ما تملكه يداهما لتشييد هذا الصرح الذي أضفى عليه ملوك المغرب فيما بعد سمات العظمة والجمال.
والوظيفة الاجتماعية التي تقوم بها جامعة القرويين تصل في النهاية إلى أداء دور وطني. فهي الجامع الرسمي الذي تعلن فيه المراسيم، في حين تؤدي الجامعة دورها الخاص بها فيما يتعلق بالشؤون العامة. وقد تخرج في هذه الجامعة خلال تاريخها الطويل كبار