الكتاب في موضوع الحكومة التيوكراسية؟ أفلا ترون معي أن الفيلسوف الفرنسي يخلط ما بين هذا النوع من الحكومات وبين الدولة الاستبدادية ( Etat despotique) بمعناها القانوني وأنه لا يميز ما بين التيوكراسيات العتيقة من هندوس ومازدوية وفرعونية وبين دولة الإسلام؟ فكيف يمكن يا ترى لمنتسكيو أن يعطينا فكرة حقيقية عن الدولة التيوكراسية بمعناها الصحيح في حين أنه يعرفها في عبارات واصطلاحات مبهمة ولا يبصر حتى مميزاتها الرئيسية؟ أفرأيتم إذ كيف أن أحد أقطاب الفكر والفلسفة الغربية أخطأ في تفكيره واحتذى نظرا في توجيه القانون العام لا مانع لنا من مناقشته وانتقاده والابتعاد عن العمل به؟ إنني أتمنى أن تتاح لي الفرصة - أو لكم - لدراسة هذا الموضوع دراسة وافية وطرقه بكل ما يتطلبه من عناية ودقة.
ثانيا - هل لا حاولتم أن تخرجوا قليلا من محيطكم الغربي وتأخذوا أنفسكم بدراسة الفقه الإسلامي وتحليل موقفه إزاء التشريعات العصرية من غير أن تقيسوه بالمقاييس المنحرفة المتسمة بالتعصب الأعمى التي استعملها الأوروبيون في دراستهم؟ إنني لا أطلب منكم المستحيل وإنما أهيب بكم إلى الاتجاه لدراسته ولو دراسة سطحية فتأخذوا مثلا كتاب (القوانين الفقهية) لابن جزي لوضوحه وجودة تبويبه وطريقة ترتيبه التي لا تقل روعة من أساليب التحليل العصرية مع أنه وضع منذ ما يقرب من سبعمائة عام! فسترون كيف أن هذا الفقه الذي يرمونه بالجمود والغموض سيبدو لكم حيا واقعيا منطقيا، يبرر وجوده بكل دقة ووضوح ينسجم في كثير من مبادئه وقواعده مع روح التشريع الحديث ويختلف معها -طبعا - فيما لا يلائم أعراف وطبائع وقيم الأمم المنضوية تحت لوائه، وهذا أمر ضروري وغير خاص بالتشريع الإسلامي وحده دون غيره ما دام لم يتيسر للبشرية جمعاء أن تعيش تحت كنف قانون موحد. فإني لا أخالفكم غير راغبين في دراسة تشريعكم القومي لتكملوا معلوماتكم القانونية والقضائية ولا أشك في أن كتاب (القوانين الفقهية) لابن جزي سيكون خير مساعد لكم على تربية ذوق دراسة التشريع الإسلامي فيكم وينمي رغبتكم في مزيد البحث والاطلاع حتى تتأكدوا مما أشرت إليه أنفا من أن الحكم على الفقه الإسلامي بالملائمة أو عدم الملائمة للحياة العصرية يجب أن لا يظل اعتقادا سلبيا وأن لا بد من أن يكون مبنيا على الاقتناع الصادر عن الدرس الصحيح والمقارنة النزيهة.
فإلقاء نظرة مثلا على الكتاب العاشر في الفرائض والوصايا من (القوانين الفقهية) وجعل مقارنة بين تشريع الميراث عند المالكية وبين نفس التشريع في القانون الفرنسي القديم والقانون الحديث يكفي -على ما أظن - لإعطائكم فكرة واضحة عما ينطوي عليه قانون الميراث في الفقه الإسلامي من نظريات وجيهة وعناصر تتم عن التوازن وبعد النظر، ولعل موضوع تشريع الميراث في الفقه الإسلامي من أخطر المواضيع التي تشغل بال شبابنا وشاباتنا في الوقت الحاضر خصوصا بعد تحرير المرأة في بلادنا ولكل منا رأي خاص حوله فلتكن ملاحظتي هذه حافزا لنا على طرق هذا الموضوع بكيفية أوسع وأدق ولتكن أيضا نقطة يجتمع حولها قضاتنا التقليديون منهم والعصريون ليتبادلوا الأفكار والآراء وليقصروا المسافة التي تفرق بينهم.
وبعد، فما هي الأزمة التي يتخبط فيها القضاء والتشريع ببلادنا؟ إنها ولا ريب مشكلة مسافة بين ثقافتين متباينتين يجب أن يقطعها علماؤنا وقضاتنا وذلك بأن يعمل كل فريق منهم على الخروج من محيطه الضيق ليقترب بالآخر ويضيف إلى علومه الخاصة علوم الفريق الآخر ويعلم كلاهما أن هناك ميادين أخرى للمعرفة ومناهج في البحث يجب أن يحسب لها حسابها، فإذا ما أخذ أولئك وهؤلاء أنفسهم بالانغمار فيها عملوا على تقصير هذه المسافة للتقريب بين الثقافتين وساهموا في المزج بينهما.
أما وزارة العدل فقد أخذت منذ نشأتها على عاتقها تحقيق هذا الغرض باتخاذها عدة تدابير للتقريب بين قضاتها التقليديين والعصريين وإدماج بعضهم في بعض من حيث الاختصاصات والحقوق والواجبات ووسائل العمل والضمانات وقد تهدف الوزارة مقدما وقبل كل شيء من وراء هذا الإدماج إلى توحيد الثقافة عند القضاة ليتأتى لها فيما بعد توحيد المحكمة وتوحيد القوانين فإذا ما تم لها ذلك -وقد قطعت في سبيله شوطا كبيرا بتوحيد المحاكم في الشمال وصدور عدة مدونات ولا سيما بصدور قانون إطار القضاة - تكون قد أدركت الغاية الحقيقية من وحدة القضاء في المغرب.
وإذن فما دامت سياسة وزارة العدل في ميدان إصلاح القضاء وتوحيده متجهة إلى جعل القانون العام الذي تحكم به المحاكم في المغرب مستمدا في روحه من التشريع الإسلامي وما دام من الضروري من جهة أخرى أن تعمل الوزارة باستمرار على تطور قضائنا باقتباس ما كان