تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص22

الحضارة المادية

للأستاذ إدريس حسن العلمي

لم تدع فلسفة اسطوا لإتباعها مجالا للإيمان بالغيب بعد ما قررت فناء الروح بفناء الجسم ونفت صيرورة هذا العالم إلى الفناء وبعث الإنسان بعد الممات مقررة خلود الحياة البشرية على وجه الأرض باعتقادها" أن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين" وعلى هذا الأساس وضع اسطوا علم المنطق الذي يفضي بالإنسان إلى إنكار كل حقيقة عجز فكره عن إثباتها أو تعليلها والى أبطال شعوره وإهمال هذه. والى وقف إيمانه بالوجود على عالم الشهادة يعني على الكائنات الواقعة مباشرة تحت إدراكه.

وكانت فلسفة أرسطو النواة التي نشأت عنها فلسفة ديكارت ولم يستطيع هذا الأخير التخلص من تأثيرها رغم محاولته التجرد من سائر العقائد والمسلمات. وعن فلسفية والاجتماعية التي قامت على قواعدها الحضارة الإنسانية العصرية على اختلاف أنظمتها ومظاهرها وألوانها والتي تبعث الفرد والجماعة على البحث عن السعادة في إرضاء الشهوات والمطامع الأنانية بدلا من التماسها في التصرف بالجمال.

وهكذا رغم إيمان أرسطو وديكارت بوجود الله انشأ كلاهما فلسفة كانت مصدرا لمذاهب مادية ملحدة تتجاهل وجود الله وتمهل روح الإنسان وتقصيه عن الإيمان بالمثل العليا انتشرت في شعوب أوروبا وأمريكا وبعض شعوب أسيا وكيفيت حضارة أممها وصبغتها حتى أصبح من المستحيل على الشعوب الإفريقية خاصة والشعوب الإسلامية بصفة عامة أن تأخذ بهذه الحضارة المتصلة بها اتصالا وثيقا من دون أن تتخلى عن جانب كبير من جمالها الخلقي ومن دون أن تضحي عاجلا أو أجلا بقيمها الروحية التي كانت في وقت من الأوقات منشأ عزتها ورفعتها ومنبع قوتها وسيادتها والتي أكسبتها شخصية مستقلة ثم صانت هذه الشخصية من الاندماج في شخصية المحتل. لكن هل حققت هذه الحضارة للإنسان غايته منها بل وغايته من الحياة كلها أل وهي السعادة؟ لا أخال إنسانا واحدا سليم الفطرة يستطيع أن يزعم أن مجموع سكان إحدى البلدان المتحضرة ينعمون بحياة سعيدة بل ولا نصفهم ولا حتى ثلثهم ولا أن ثمة ما يبشر بوقوع ذلك في مستقبل قريب أو بعيد.

ولماذا لم تنجح هذه الحضارة في إسعاد أقوامها؟ أتراها عدمت الأسباب المادية اللازمة؟ إن الفرد البسيط أصبح بفضل هذه الحضارة يملك من وسائل الراحة وأدوات الرفاهية ما لم يتوفر على بعضه جل الملوك والمترفين في العصور السابقة، انه بإشارة خفيفة من بنانه أو يده أو رجله يستطيع إن يقضي جل مأربه في أيسر وقت وبغير ما كلفة وأن يطلع على ما جريات الحوادث في سائر بلاد العلم ويتتبعها وان يتصل بإخوانه من الجنس البشري في مختلف إنحاء الأرض اتصالا شخصيا مباشرا وبواسطة البريد والاثير. وباختصار فان هذه الحضارة أتاحت للإنسان أن يكون أكثر قوة وأكثر قدرة وأوفر علما منه في أي وقت مضى.

فاذا ما ظل هذا الانسان رغم ذلك كله بعيدا عن الشعور بالسعادة وبالراحة النفسية فلان كسبه من هذه الحضارة كامأن يكون ماديا صرفا ولان طاقته المادية هاته قد اكتسبها على حساب طاقته الروحية. ولانه تبعا لذلك اسلس قيادة للعامل الاقتصادي في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٨٨