الأحكام وتفريغ بقدر ما يهمه المحافظة على أحوال الدين وتقرير شرائعه، وهذا بطبيعة الحال لا يمنعه أن يكون مجتهدا، وعلى كل فالمجتهد مهمته فقهية أكثر منها إصلاحية بعكس المجدد، وأيضا فالمجتهد غير مقيد بوقت من الأوقات بخلاف المجدد الذي لا يظهر إلا على رأس القرن، والمجتهدون كثيرون والمجددون قليلون ولو على القول بتعددهم وعدم توفيتهم، فبان بهذا أن الاجتهاد الذي هو مهمة كل فقيه غير التحديد الذي هو أوسع دائرة وأبلغ أثرا في أحياء في إحياء معالم الدرس، وأن كانا يتلاقيان أحيانا.
ومن اجمع العبارات في التحدد قول العلقمي في شرح الجامع الصغير: أنه إحياء ما أندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وهذا يعني أن يكون المجدد من أولى الأمر كعمر بن عبد العزيز ليتأتى له حمل الناس على أتباع طريق الشرع وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، على أن ذلك ليس بلازم فالمجدد وهو داعية ديني من الطراز الأول لابد أن يكون معه من وسائل الإقناع وطرق التبليغ ما يغني عن النفوذ والسلطة وكم من مذاهب سياسية واجتماعية انتشرت في العالم قديما وحديثا بفضل تجند أصحابها للتبشير بها والدعاية لها، لذلك فنحن نرى أن أحسن ما يفسر به التجديد هو ما جاء في حديث النبي (ص): يحدد مهمة علماء الدين الأولى التي تجعل منهم حراسا أمناء على ميراثه وميراث النبيئين من قبله وهو قوله يحمل هذا العم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فهذا في نظرنا هو عمل المجدد وهو مفهوم التجديد الذي تلتقي عنده أنظار العلماء كافة وان اختلفوا في التعبير عنه، وقد حصره الحديث في غايات ثلاث:
الأولى: رد النصوص التي يحرفها الغلاة من أهل البدع إلى أصلها، وفي ذلك رجوع بالدين إلى سماحته ونضارته ونفي لما الصق به من بدع وأهواء.
الثانية: أبطال الدعاوي الكاذبة وفضح أصحابها الذين يلبسون الحق بالباطل وينتحلون أغراض المصلحين الدينين، والإصلاح والدين بريئان منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وفي هذا تنزيه لدعوة الإسلام وإظهار لها بالمظهر اللائق بها ن السمو والكمال.
الثالثة: دحض التأويلات الفاسدة التي يتخذها الجهال بحكمة التشريع ذريعة إلى نقض أحكام الشرع الحنيف كقول بعضهم أن الخمر إنما تحرم في المناطق الحارة حيث نزل القرءان، وقول آخرين في الربا الحرام إنما هو الفاحش منه، وكقولهم في تقنين الزنا انه محافظة على الصحة العامة وفي إباحة بيع المحرمات إنها تنمية لاقتصاد البلاد إلى غير ذلك مما دحضه منافحة عن شريعة الإسلام وضمان لبقائها نورا وهدى للناس.
فهذه الغايات الثلاث كلها تتمثل في عمل المجدد الذي يراد أن يعود الدين على يده غضا طريا كما انزل، وهي كما نرى تتلاقى وجميع أقوال العلماء في التجديد، لذلك كان هذا الحديث خير شرح لمعناه وتجديد لمفهومه، على حد قولهم خير ما يفسر به القرءان: الوارد، وبكل اعتبار إذا نحن أمعنا واحد هو المحافظة على جوهر الدين من يطرأ عليه تغيير، ذلك لأنه وضع الهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات، فكل زيادة فيه أو نقص منه ينافي ما وضع له فضلا عن اقتضائه نسبة الجهل الواضعة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وادن فان من يبدل شرع الإسلام بغيره من القوانين أخرى أن يعد في الملحدين من أن يعد في المجددين، ومن يتبجح باسم التجديد وهو أكثر الناس تنكرا حتى لاسم الدين تشبها بالحكومات العلمانية هو ممن غره الشيطان والهوى أن لم يكن يستغفل الناس ويستجهلهم، وقلت الحكومات العلمانية ولم اقل الأمم أو الشعوب لأنه ليس في الأمم ولا في الشعوب علماني، وإنما العلمانية فلسفة مادية تفرضها الحكومات الماسونية على البلاد المستسلمة.
ولعل قائلا يقول أليس المجدد الأول هو الذي قال: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور؟ ونحن نجيب نعم! ولكنه لم يقل تبدل أحكام الشرع كلما استثقلها قوم .. وقد غبر المسلمون مدى عصور وهم لا ينفذون حد القطع في السارق ولا حد الرجم في الزاني المحصن بل ولا حد الجلد في شارب الخمر، ولكنهم لم يلغوا هذه الحدود قانونيا البتة، والى الأمس القريب كان القضاة الشرعيون فيما كان يسمى بالمنطقة الخليفة يحكمون بهذه الحدود قانونيا البتة، والى الأمس القريب كان القضاة الشرعيون فيما كان يسمى بالمنطقة الخليفة يحكمون بهذه الحدود على مستوجبيها ثم يحيلون الحكم على السلطة التنفيذية التي تحتفظ به لمانع الوقت، وهو على كل حال! أما ما يعنيه عمر بن عبد العزيز بكلمته تلك وهو وجوب استنباط الأحكام الجارية على قواعد الشرع لما يحدث من القضية لم تكن في الزمن السابق، فبهذا مالا ينازع فيه احد وهو مهمة الفقهاء المجتهدين مطلقا أو