تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 3، ع 10/ يوليوز 1960 .................. ص3

دراسات إسلامية: للتجديد في الدين مفهوم شرعي محدود

للأستاذ عبد الله كنون

كثرت دعوى التجديد في العصر الحديث كثرة لا مزيد عليها، فمن تجديد في الدين إلى تجديد في الأدب إلى تجديد في أساليب الحياة وربما في الحياة نفسها، والذي يهمنا منها في هذه المقالة هو التجديد في الدين لأنه بقدر ما كلن ضرورة لازمة لتدعيم كيان الوطن الإسلامي وبعث روح الحفاظ في نفوس المسلمين، بقدر ما تشبعت فيه الأنظار واختلفت المذاهب حتى أصبح الأمر فوضى وكل يدعي وصلا بليلى، وكانت النتيجة أن تحطم السد الذي طالما حال بين المسلمين النتيجة أن تحطم السد الذي طالما حال بين المسلمين وبين طغيان التيارات الأجنبية _من فكرية واجتماعية وسياسية_ عليهم، فصاروا يتخبطون في مشاكلها ويجنون ثمارها المرة وهو لا يهتدون إلى طريق النجاة سبيلا.

والتجديد في سائر مطالب الحياة أن كل فلسفة تطورية لا معدى عنها لضمان بقاء الحضارة الإنسانية وازدهارها فانه في الدين فكرة أصيلة من جملة تعاليم الإسلام التي جاء بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهي تستند إلى الحديث الشريف الذي رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر الدين بحيث لو لم ومفهومه خطة من صميم أمر الدين بني عليه الإسلام كفيلا بهذه المهمة وتكليفا لمن فيه أهلية من المسلمين بتجديد الدين كلما مضى جيل واتي جيل يكون بحاجة إلى هذا التجديد.

وقد حدد الحديث وقت ظهور المجدد بما لا مجال للتأويل فيه وهو رأس كل مائة سنة أي عند انقراض الراسخين في العم بالسنن والأحكام من أهل القرن السابق، وافتقار أهل القرن اللاحق إلى من يؤذي لهم الأمانة و يأخذ بيدهم حتى لا يزيغوا عن دينهم القويم، ومع هذا التوقيت الواضح فقد قال العلماء بظهور المجدد في كل الوقت وءان، وأن اتفقوا على أن المجدد الأول هو عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي العادل، وكان على رأس المائة الثانية كما لا يخفي، فلبقاء الحديث على ظاهره ينبغي حمله على المجدد الأعظم الذي لا يمتنع أن يأتي بعده علماء عاملون ناسجون على منواله، كل في ناحيته وفي باب من أبواب العمل الديني المفتقر إلى التجديد، وذلك تطبيقا لقوله (ص) فيما رواه جماعة من الأئمة انه (ص) قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وأرى أن لو اصطلح على تسمية هؤلاء المجددين الفرعيين بالمصلحين مثلا وعملهم بالإصلاح تمييزا لهم من المجددين وعملهم لكان أولى.

وإذا كان هذا ما قيل في وقت ظهور المجدد، وقد بينه الحديث أتم بيان، فلا جرم أن تختلف الأقوال في معنى التجديد تصريحا ولا تلويحا اتكالا على ما يفهم منه بالوعي الفطري والحس السليم. واغرب الأقوال في ذلك ما يزعم انه يعم أهل كل فن حتى النحو واللغة مع أن موضوع الحديث إنما هو التجديد في الدين فلا ينبغي أن يتجاوز به عنه، وأن كانت الأعمال بالنيات.

ومن الأقوال خلافهم في المجدد هل يشترط فيه ذلك ولكن لا لان وظيفة المجتهد أعظم من وضيفة المجدد كما يشعر به كلامهم، وإنما لان المجدد لا يهمه استنباط

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٦٩