تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحضارة لا تهتم بالأخلاق والدين، ومعتنقوها يصرحون هادئين بأن تعليم الدين ليس من شأنهم, ويذهب بعضهم إلى القول بان الدين ما هو إلا اعتقاد باطل، وهمي وخرافي، بينما يتستر البعض الآخر وراء الدين للتحدث عن الأخلاق، ولكن تجارب السنين العشرين التي مررت بها تجعلني على يقين تام من أن ما يلقن على انه أخلاق، يبطن الكثير من البذاءة والخلاعة، وفي إمكان الطفل أن يلاحظ ذلك، إذ أنه في كل ما قلته لك لا يوجد أثر للدعوة إلى التحلي بالأخلاق، والحضارة التي تسعى لرفع المستوى الحياتي المادي، تفشل يائسة في هذا الحقل.

هذه الحضارة إنها الإلحاد بعينيه، وسيطرتها على الأوروبيين تجعلهم في نظرنا كأنهم أنصاف مجانين، لأنه ليس عندهم، لا القوة الجسدية ولا الشجاعة، وهم إنما يعاقرون الخمرة دائما لتعبت في أجسامهم بعض الحرارة والحيوية، وتنهك قواهم في البحث عن السعادة في الوحدة، والنساء اللواتي يجب أن يكن ربات البيوت، يتسكعن في الشوارع، أو يضنين في المصانع، سعيا وراء دريهمات قليلة، أكثر من نصف مليون امرأة انجليزية يعملن في المصانع في حالة يرثى لها. هذه الأوضاع المخيفة هي إحدى أسباب الاتساع المتواصل للحركة المطالبة بمنح المرأة حق الانتخاب.

لقد وصلت هذه الحضارة إلى درجة، لم يعد علينا معها سوى الانتظار بصبر لنزها تقضي على نفسها وتنهار كبيت من الورق المقوى أمام النار، وحسب تعاليم النبي محمد، حضارة كهذه إنما هي حضارة شيطانية، والتعاليم الهندوسية تسميها العصر الأسود المظلم، لا يمكنني أن أعطيك الفكرة الحقيقية عن الحضارة ولكن يكفيك مراقبة الشعب الإنجليزي، لتتكون عندك هذه الفكرة بوضوح، مما يجعلك تهرب منها بعد ذلك، والبرلمانات الحديثة هي أصدق رمز وخير تعبير للعبودية، فإذا ما فكرت بذلك جيدا كونت لنفسك الرأي نفسه، وكففت عن لوم الإنجليز لأنهم بالفعل يستحقون العطف وليس اللوم، إنهم شعب بعيد النظر، لذلك أعتقد سيتمكنون من الخروج من هذا الشر، إنهم شعب نشيط مقدام، وطريقتهم في التفكير ليست منافية للفضيلة، بل إنهم طيبوا القلب، ولذلك احترمهم، إن الحضارة ليست مرضا مستحيل العلاج. ولكن يجب ألا ننسى بأن الشعبي الإنجليزي ينوء تحت حملها الآن».

وهكذا فإن هذا الكتاب يعطي صورة صحيحة عن جانب من فلسفة غاندي ولئن كانت خصومة غاندي للحضارة الحديثة تكتسي شيئا من العنف والمبالغة في بعض الأحيان فإن المهاتما رغم ذلك كله يدافع دفاعا منطقيا، وأمنيا عن القيم الروحية والإنسانية التي سيبقى اسم الحضارة الحديثة بدونها، كلمة مزعجة ومخيفة، تجعل من فشل مؤتمر القمة جوا تتراقص فيه الصواريخ والقنابل التي تحطم معالم هذه الحضارة في توان معدودات.

ـــــــــــــ

الكامل من بني الإنسان

قال الحسن أربع من كن فيه كان كاملا ومن تعلق بواحدة منهم كان من صالحي قومه، دين يرشده، وعقل يسدده، وحب يصونه، وحياء يقوده.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٣٩