تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويبين لهم بعض معاني الاستقلال أو على الأصح المعنى الحقيقي للاستقلال يقول غاندي في آخر هذا الحوار لصاحبه:

«لقد رسمت لذلك - أي الاستقلال - صورة جميلة، والواقع أننا نريد النظام الإنجليزي دون أن يكون عندنا انجليز، وتريدنا أن يكون لنا طبيعة النمر دون أن يكون هنا نمر. أي أنك تريد الهند انجليزية، وعندما يتم ذلك ينقلب اسم هندستان إلى انجلستان، كلا ليس هكذا أريد الاستقلال».

إن غاندي يقصد ولا شك بهذه العبارة أن الاستقلال لا فائدة منه إذا كان عبارة عن نسخ أخلاق المستعمرين ومجاراتهم ومحاولة تقمص حياتهم الاجتماعية والسياسية كما هي دون تحر، إن استقلالا مثل هذا إنما هو استقلال سطحي خال من كل عمق في تغيير الأشياء وتحويلها إلى صورة قومية جديرة بهذا الاسم.

ومن المفيد أن نعطي للقارئ نموذجا من آراء غاندي عن الحضارة الحديثة ملخصين جوابه على سؤال وجه إليه في موضوع هذه الحضارة:

«لنر إذن ماذا تعني كلمة " حضارة "، هناك أمر لا ريب فيه، هو أن الأناس الذين يعتنقون مبادئ هذه الحضارة ويعيشونها، يتوفر لهم المستوى الحياتي المادي الذي يريدون، وهذا ما يسعون إليه في الحياة، ولنأخذ الآن بعض الأمثلة: إن الشعوب الأوروبية تتوفر لها اليوم تسهيلات سكنية لم تعرفها من قبل, وهي تعتبر مظهرا من مظاهر الحضارة، وهذا التقدم يؤدي إلى تحقيق السعادة المادية في الماضي كانوا يرتدون جلود الحيوانات ويستخدمون الرماح، أما اليوم فإنهم يرتدون السراويل الطويلة وشتى أنواع الألبسة، ويستخدمون عوضا عن الرماح، المسدسات وسائر أنواع الأسلحة الحديثة وإذا حاول سكان بلد ما، تعودوا سابقا الاكتفاء بالنزر اليسير من الثياب والأحذية، تقليد الأوروبي في لباسه، قيل أنهم انتقلوا من طور البربرية إلى طور الحضارة، وفي الماضي كان الإنسان الأوروبي يستخدم يديه في أعماله الزراعية، أما اليوم فإن العمال قد ترك أمرها للآلة، التي يستطيع الفرد بواسطتها القيام بأعمال يعجز عنها المئات، ويثير له بفضل ذلك جني الأرباح والثروات الطائلة. وهذا ما نعده مظهرا من مظاهر الحضارة، في الماضي كانت صناعة القلم مقتصرة على النخبة، أما اليوم فالكل يكتبون وينشرون دون الالتفات إلى النوعية، وهكذا تتسم الأفكار والعقول، في الماضي كانوا يسافرون في العربات وعلى الخيل أو سيرا على الأقدام، وأما اليوم فإنهم ينتقلون في القضاء ويجتازون مئات الكيلومترات في اليوم الواحد، كل هذا يعبر قمة الحضارة، وهم يأملون التوصل إلى وسائل جديدة تمكنهم من الوصول، في ساعات معدودة، إلى أي نقطة من العالم، وسوف لن يحتاج الإنسان إلى يديه ورجليه بعد ذلك، يضغطون على زر فإذا بثيابهم تصبح أمامهم، يضغطون على آخر فتأتي إليهم الصحيفة، وعلى ثالث فتهرع السيارة لتقلهم حيث يريدون، وعلى رابع فتمتد أمامهم مائدة تحوي كل ما لذ وطاب، كل هذا سيتم بواسطة الآلة، وفي الماضي عندما كان اثنان يريدان القتال، كانا يتنازلان، والأقوى جدا يربح، أما اليوم، فرجل واحد يحمل رشاشا، في استطاعته أن يقضي على الألوف، هذه هي الحضارة، في الماضي عندما كان الناس يعملون في الهواء الطلق، لا يتقيدون بأي تنظيم للوقت، يعملون ساعة يشاؤون ويرتاحون ساعة يرغبون، أما اليوم فآلاف العمال يفرض عليهم أن يسيروا الآلات في المصانع، وان يعملوا في المناجم وحالتهم أسوأ من حالة الحيوانات، إنهم يعرضون حياتهم لأشد المخاطر من أجل أصحاب الملايين ليتاح لهؤلاء مضاعفة ثرواتهم، في الماضي كانوا يستبعدون الناس بإرهابهم وتخويفهم، أما اليوم فإنهم يستعبدونهم ببريق الذهب الرنان والطرق التي تؤدي إلى الحصول عليه، وفي أيامنا هذه انتشرت أمراض لم تكن ليتصورها الإنسان في الماضي، وهي تطلب جيشا من الأطباء للتفتيش عن الدواء اللازم لها، والعديد من المستشفيات للإستشفاء، وهذا أيضا مظهر من مظاهر الحضارة، في الماضي كان إرسال رسالة يتطلب الكثير من التكاليف وساعيا خاصا لنقلها، أما اليوم فأي واحد في قدره أن يشتم جاره عن طريق الرسائل، ولا يكلفه ذلك إلا بنسا واحدا، وقد يكفي هذا المبلغ نفسه لنقل الشكر والمديح، في الماضي كان الناس يتناولون وجبات الطعام مرتين أو ثلاث في اليوم, وكانت الوجبات تتألف من الخضر والخبز الذي يصنعونه بأيديهم، أما اليوم فإنهم يريدون أن يأكلوا كل ساعتين، فلا يبقى لهم متسع من الوقت للقيام بعمل آخر، وماذا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك؟ إن كل ما قلته لك تجده في الكثير من المؤلفات التي تسمح بها، والذي يقول لك العكس يكون جاهلا، وهذه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٣٨