ثانيا- الخزف ذو البريق المعدني بواجهة محراب القيروان:
على أن محراب القيروان هذا لا تقف أهميته عند حد كونه أول محراب مجوف في الإسلام، أو عند حد تلك الحشوات الرخامية البديعة التي ألبسته حله قشيبة من الجمال، ولكن هذه الأهمية تزداد عندما نجد أنه قد زين أيضا في واجهته يقراميد من الخزف ذي البريق المعدني.
ومن المفيد قبل أن نبدأ في دراسة تلك القراميد الخزافية أن نعرف أولا العوامل التي دفعت بالخزافين المسلمين إلى ابتداع هذا النوع من الخزف التي تتلخص طريقة صنعه في طلاء الأواني أو المنتجات الخزفية المزججة (بعد غمر الفخار في محلول زجاجي) بمادة مكونة من أملاح معدنية من مركبات النحاس أو الفضة أو غيرها. وهذه المركبات الكيمائية تتحلل عند وضع المصنوعات في الفرن في درجة حرارة منخفضة مكونة قشرة معدنية رقيقة تحدث ذلك البريق المعدني.
وعلى الرغم من أن الأستاذ ( Lane) يعتقد بأن الخزافين المسلمين استمدوا الوحي في تلك الصناعة من الأواني المستوردة من الشرق الأقصى لإرضاء رجال البلاط العباسي وإشباع ذوقهم الفني, فإن جمهرة مؤرخي الفنون قد اجمعوا على أن ابتداع المسلمين للخزف ذي البريق المعدني كان بتوجيه سلبي من الدين الإسلامي الذي حرم اتخاذ الأواني من الذهب والفضة، مما دفع بالصناع إلى التفكير في الطريقة التي يكسبون بها الأواني الخزفية جمال الذهب والفضة وبريقهما.
حقيقة لم يرد في القرآن نص صريح يحرم استعمال الذهب والفضة, وجميع الآيات التي تتعلق بهذين المعدنين النفيسين إنما تشير إلى أنهما مما يتمتع به المتقون يوم القيامة, ولكنه قد ورد في كتب السنة أحاديث عدة تنظم استعمالهما، بعضها بحرمها ويعضها يحللها بحسب الظروف المختلفة، والملحوظ في التحريم على كل حال هي الرغبة الصادقة في الحيلولة بين الناس وبين الانغماس في الترف، ولقد كان في تلك الإباحة وهذا التحريم غنم كبير للصناعة والفن يمثل لنا فيما أبدع المسلمون من تحف مختلفة, وقد انعقد إجماع فقهاء المسلمين على تحريم الأواني المصنوعة من الذهب الخالص أو الفضة الخالصة التي تستعمل في الوضوء أو الغسل أو الأكل أو الشرب، ولقد كان هذا التحريم هو السبب المباشر لاهتداء الخزاف المسلم إلى تلك الطريقة التي استطاع بها أن يوفر للأواني الخزفية جمال الذهب فأخرجت إلينا تلك الأمثلة الرائعة من المصنوعات الخزفية التي امتزجت فيها دقة الصانع مع عبقرية الفنان، والتي يمتع من يستعملها بجمال الذهب ورونقه دون أن يخرج على أحكام الدين.
وقد صنع الخزافون من هذا النوع أكوايا وسلطانيات وفناجين وقوارير وكؤوسا وصحونا وغيرها كما صنعوا منه بلاطات ونجوما لكسوة الجدران ونعود الآن إلى التحدث عن البلاطات أو القراميد ذات البريق المعدني التي تكسو واجهة المحراب بالمسجد الجامع بالقيروان.
والحق أن هذه القراميد تبدو للناظر غريبة عن موضعها لم تصنع للغرض الذي استعملت فيه كما لم يراع في استعمالها ما يرسم عليها من زخارف، فتارة نجدها مقلوبة الوضع، وتارة مائلة عن الوضع.